حوار في التسامح والعنف - معهد الرسول الأكرم(ص) - الصفحة ١١٧ - المناقشة
فيجتمع في هذا الموضع ـ إذن ـ حكمان :
ـ أحدهما : وجوب إنكار المنكر وتغييره وإزالته ومكافحته .
ـ ثانيهما : وجوب الاجتناب عن الفتن الاجتماعية والسياسية ، التي تؤدّي إلى سفك الدماء وانتهاك الأعراض ، وبما أنَّ المكلَّف لا يقدر على امتثال الحكمين معاً ، كان لا بدَّ ـ بحكم العقل ـ من تقديم الأهمِّ على المهمِّ . وبلغة فنِّيّة : لابدَّ من تقييد إطلاق أحد الحكمين ، فإذا كان أحدهما أهمَّ من الآخر ، فيكون المقيَّد هو الآخر لا محالة ؛ فالمدار ـ إذن ـ في هذه المسألة على تشخيص الأهم من المهم .
وهذا أمر ( متغيِّر ) ، يختلف من حال إلى حال ، ومن حاكم إلى حاكم ، ومن منكر إلى منكر ، ومن مجتمع إلى مجتمع ، فلا يمكن إعطاء أحكام ثابتة في مثل هذه المسائل ، فقد يكون المجتمع صالحاً قويّاً ملتزماً بحدود الله وأحكامه ، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والحاكم الذي يقترف الظلم حاكم ضعيف ، يمكن إزالته من دون مشاكل وأضرار كبيرة ، ففي هذه الحالة يقدَّم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الأمر بالحفاظ على الأنفس والأموال من الفتن والأضرار والهلكة ، وقد يكون الأمر بالعكس ، فيقدَّم الحكم بالمحافظة على الأنفس والأموال والأعراض على حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وعلى العموم ، الأمر يختلف في تحديد الأهمِّ ، وتشخيص الأهمِّ من المهمِّ بين الحكمين من مورد إلى مورد ، ولا يمكن إعطاء حكم عام في هذه المسألة بناءً على هذا الدليل .