كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ٧ - التّقديم
المصطلحات العصرية بالعربية مواكبة للعلم و المعارف الراهنة.
و لنا شاهد حي على ذلك، ما حدث من نقلة في دلالات و ألفاظ العربية إبّان ظهور الاسلام، حيث استعمل اللفظ قريبا من موضوعه الأصلي. و على الرغم من أنّه نقل عن دلالته السابقة إلا أن خيط اتصال بقي بين الأصل و الحادث، مثل الواجب:
السقطة مع الهدة من أعلى، كسقوط الحجر من الجبل. و ذلك في الدلالات عند عرب الجاهلية. ثم غدا الواجب: الأمر الإلهي المجرد المنزّل من أعلى في الاسلام.
و أمثال ذلك الكثير مما كان من خطاب اللّه عز و جل للعرب، و ما دار من علوم على جنبات كتاب اللّه. إذ الصلاة عبارة عن الدعاء و الحج عن القصد و الصوم عن الامساك و الزكاة عن النمو و هكذا ...
و من ثمّ بقيت هذه الألفاظ في معانيها الحادثة قريبة من موضوعها الأصلي.
و لربّ قائل: إنّ المعاني العصرية في شتى العلوم حادثة و مغايرة تماما لمعاني العلوم القديمة التي درج عليها العرب و اصطلحوا عليها تعبيرا عمّا توصّلوا إليه. فإن الجواب سهل بيّن ظهر في أوروبا حيث انطلقت النهضة العلمية من ألفاظ اللاتينية و الفرنسية و عليها استندت فتشعبت.
و الدليل على ذلك أن معظم مصطلحات الطب و الطبيعة و الكيمياء و المعارف النظرية نجد أصلها باليونانية و اللاتينية ثم تتشعب و تتحوّل و ينقطع بعضها عن دلالته الأولى. و من شواهد ذلك: لفظParadigme ورد باليونانية بصوتParadeigma بمعنى المثال أو النموذج المحتذى، و لا سيما عند أفلاطون اشارة إلى المثال القائم في عالم المثل. ثم أصبح اللفظ نفسه في الثورة العلمية عند توماس كونKuhn النموذج على ما يتفق عليه جماعة العلماء، في عصر معيّن، من قوانين مرتبطة بنظرية محددة، مع ما يعقب ذلك من تطبيق على الملاحظات كمعادلات نيوتن في الحركة: القوة الكتلة التسارع. ق ل* ع. [١] إذ تحكّم هذا النموذج في الميكانيكا، و كصيغة و معادلة انشتاين في ترابط السرعة بأبعاد المكان الثلاثة و الزمان الخ ...
و نخلص من ذلك بتوليفة مفادها: أن إحياء المصطلح و جمعه يصبّ في عملية بناء هادفة تشكّل ركيزة أساسية في التحديث العربي، نأمل أن تطال البنية الثقافية و اللغوية على أصول البنية السليمة، رغبة في تشكيل بنية دلالية معرفية للعلوم بالعربية و ذلك عبر
[١] Kuhn. T. the Structure of Scientific Revolutions. Chicago.
١٩٧٠.. ٢٣٨.