كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٧ - بنية العربية و قابليتها للتحديث

بالمصطلح السابق كمحطة في سيرورة لا تنقطع.

عندها و بها يكون الكشاف و لغته أداة للتجديد، و يصبّ التهانوي في مصبه التاريخي من عمر العلم و اللغة معا عند اللاسنين العرب.

و في الوقت عينه ذهبت جماعة آكسفورد اللغوية مذهبا بنيويا في عملية الارتباط بين الواقع و اللفظة أو الجملة. إذ ترتكز النظرة على محور أساس مؤداه أن هناك تناظرا بين بنية الواقعة و بنية القضية التي تعبر عنها أو الحد المتصوّر المفرد [١]. و هذا التناظر بين الواقع و اللغة لعب دورا عند رسل و فتغنشتين و شليك. و جلّ النظرة أنّ التعبير يتوقف على امكانية ترتيب العلامات بطرق مختلفة. فالترتيب‌Order هذا يمكن جعله كشفا لعملية مهمة في بناء اللغات و منها العربية. مع الاشارة إلى أنّه تم وضع شي‌ء من هذا القبيل قبل ذلك بقرون طويلة على يد ابن جني و آخرين في دور التفعيلات و دلالتها كترتيب و نظم لتحولات الفعل الثلاثي، و كأدوات اجرائية لاختلاف المعاني التي تحصل في الواقع و تستجد، و الأمر عينه عند بقية النحويين و البلاغيين في ترتيب و صياغة الجملة العربية. مع اعتبار للفارق الزماني و اختصاص العرب بلغتهم و تعميم المعاصرين النظرة على كل اللغات الخ ...

و لعلّ اتجاه أهل البيان في التجربة العربية و الاسلامية الذي توجّه ابن تيمية في توجهه الاسمي، و تشييده منطقا يتأسّس على الاسم في بناء التصورات، قد يلتقي في كثير من الأبعاد مع ما آلت إليه أعمال جماعة الذرية المنطقية و جماعة آكسفورد حديثا، حيث قارن فتغنشتين بين: واقعة ذرية تتشكل في مجموعات موضوعات، موجودات‌Entities أو أشياء. و علامات بسيطة مستخدمة في قضايا تدعى أسماء [٢].

أي أن فتغنشتين حلّل العالم أو علم العالم من وقائع مركبة إلى وقائع بسيطة من غير الممكن تجزئتها إلى ما هو أبسط منها- الواقعة الذرية-، و قوامها مجموعة من صغائر الأشياء. و مماثلة مع ذلك يمضي فتغنشتين في تحليل اللغة من قضايا تنحل إلى قضايا أولية تجزّأ هي بدورها إلى أبسط منها فتغدو مجموعة من الأسماء، فالعالم ينتهي إلى صغائر الأشياء و اللغة تنتهي إلى أسماء. و هنا خيط مشترك بين الاسمية القديمة و هذا التيار، يتمثل هذا الخيط في أنّ اللغة ترسم الوجود الخارجي و الاسم خير معبّر عن الواقعة. و العلاقة علاقة واحد بواحد.


[١] Ibid ,p . ٦٠٣.

[٢] فتغنشتين، رسالة منطقية فلسفية، ص ٦٣ و ص ٧٣.