اُصول الدين - الحائري، السيد كاظم - الصفحة ٢٥٨ - التنصيص بآيتي التبليغ والإكمال
اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ * وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيم﴾[١].
فهذه الآيات ـ كما ترى ـ بدأت باعتراف امرأة العزيز بجرمها على أساس أنّها أصبحت مفاجأة بوضوح الحقّ باعتبار شهادة النسوة اللاتي قطّعن أيديهنّ، فرأت نفسها مفضوحة على أيّ حال; لأنّه قد حصحص الحقّ فاعترفت بقولها: ﴿أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِين﴾، فكأنّ لحن الآية يقتضي: أنّ جملة ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْب...﴾ أيضاً من كلامها، إذ قد جاءت بعد ما كان من كلامها يقينا من دون إيذان بانتهاء الكلام، فكأنّها تقول: ذلك ليعلم يوسف أنّي لم أخنه بالغيب، وأنا كنت خنتُه أمامه حينما قلت: ﴿مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيم﴾[٢]، وما اُبرّئُ نفسي من أنّها دعتني إلى الزنا بيوسف ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيم﴾.
ولكن هذا التفسير لا يمكن أن نحتمل صحّته، فأوّلاً: ما معنى الافتخار بعدم الخيانة بالغيب مع وقوع الخيانة حضوراً واستمرارها لحين الاعتراف؟ وثانياً: قد أفاد السيّد الطباطبائي
[٣] ما يمكن شرحه كالتالي: إنّ صدور هذه المعارف الإلهيّة الراقية من قبل امرأة مشركة تستحي من الصنم ولا تستحي من الله غير معقول، فمن أين تدرك قبل اهتدائها وتربيتها على يد يوسف
قبح الخيانة بالغيب، وأنّ الله لا يهدي كيد الخائنين؟ وكيف تعرف معنى ومغزى لكون النفس أمّارة بالسوء الاّ بعصمة الله تعالى، وأنّ الله غفور رحيم؟ فهذه المعارف الإلهيّة العظيمة لا يمكن أن تصدر إلاّ من بيوت الأنبياء أو المتربّين في مدرسة الأنبياء،
[١] س ١٢ يوسف، الآية: ٥١ ـ ٥٣.
[٢] س ١٢ يوسف، الآية: ٢٥.
[٣] تفسير الميزان ١١ : ١٩٩، ذيل تفسير الآية المباركة.