الإمام الرضا عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٨ - الفصل الثَّالث شَهَادَتُهُ وَمَزَارُهُ

ولم يبقَ أمامه إلَّا الإمام الرضا عليه السلام الذي تم اغتياله بعد ذلك بأيام قلائل. أَوَلَا يدل قرب وفاته عليه السلام وقتل الفضل على وجود مؤامرةٍ قذرةٍ ضده.

هكذا يتأكد لنا ما يذهب إليه المشهور من العلماء الشيعة من أن الإمام استشهد بسم المأمون حسبما يرى العلَّامة المجلسي في قوله: «الأشهر بيننا أنه عليه السلام مضى شهيداً بسم المأمون». ويضيف: «وينسب إلى السيد علي بن طاوس أنه أنكر ذلك» [١].

دعنا نستمع إلى نبأ شهادته من لسان المعاصرين:

ألف: كان أبو الصلت الهروي من المعاصرين للإمام ومن صانعي الأحداث أو المراقبين لها عن كثب لصلته الوثيقة بالإمام، فيسأله أحمدبن علي الأنصاري عن سبب اغتيال المأمون للإمام الرضا عليه السلام، يقول له:

«كَيْفَ طَابَتْ نَفْسُ المَأْمُونِ بِقَتْلِ الرِّضَا عليه السلام مَعَ إِكْرَامِهِ وَمَحَبَّتِهِ لَهُ وَمَا جَعَلَ لَهُ مِنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ بَعْدَهُ؟ فَقَالَ: إِنَّ المَأْمُونَ إِنَّمَا كَانَ يُكْرِمُهُ وَيُحِبُّهُ لِمَعْرِفَتِهِ بِفَضْلِهِ، وَجَعَلَ لَهُ وِلَايَةَ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِهِ لِيُرِيَ النَّاسَ أَنَّهُ رَاغِبٌ فِي الدُّنْيَا فَيَسْقُطَ مَحَلُّهُ مِنْ نُفُوسِهِمْ، فَلَمَّا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ فِي ذَلِكَ لِلنَّاسِ إِلَّا مَا ازْدَادَ بِهِ فَضْلًا عِنْدَهُمْ وَمَحَلًّا فِي نُفُوسِهِمْ، جَلَبَ عَلَيْهِ المُتَكَلِّمِينَ مِنَ الْبُلْدَانِ طَمَعاً مِنْ أَنْ يَقْطَعَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَيَسْقُطَ مَحَلُّهُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، وَبِسَبَبِهِمْ يَشْتَهِرُ نَقْصُهُ عِنْدَ الْعَامَّةِ.

فَكَانَ لَا يُكَلِّمُهُ خَصْمٌ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالمَجُوسِ وَالصَّابِئِينَ وَالْبَرَاهِمَةِ وَالمُلْحِدِينَ وَالدَّهْرِيَّةِ وَلَا خَصْمٍ مِنْ فِرَقِ المُسْلِمِينَ المُخَالِفِينَ لَهُ إِلَّا قَطَعَهُ وَأَلْزَمَهُ الْحُجَّةَ، وَكَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ: وَاللهِ إِنَّهُ أَوْلَى بِالْخِلَافَةِ مِنَ المَأْمُونِ، فَكَانَ أَصْحَابُ الْأَخْبَارِ يَرْفَعُونَ ذَلِكَ إِلَيْهِ فَيَغْتَاظُ مِنْ ذَلِكَ


[١] بحار الأنوار، ج ٤٩، ص ٣١١.