الإمام الرضا عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٧ - الفصل الثَّالث شَهَادَتُهُ وَمَزَارُهُ

قال الإمام الرضا للمأمون يوماً في حديث مفصل:

«فَاتَّقِ اللهَ- يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ- فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَارْجِعْ إِلَى بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَمَعْدِنِ المُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار.

ثم قال: أَرَى أَنْ تَخْرُجَ مِنْ هَذِهِ الْبِلَادِ وَتَتَحَوَّلَ إِلَى مَوْضِعِ آبَائِكَ وَأَجْدَادِكَ، وَتَنْظُرَ فِي أُمُورِ المُسْلِمِينَ وَلَا تَكِلَهُمْ إِلَى غَيْرِكَ؛ فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ سَائِلُكَ عَمَّا وَلَّاك» [١]

. ثم إن الفضل بن سهل تنبه إلى ذلك أيضاً فتراه يمتنع عن الرحيل مع المأمون، ويعتذر في ذلك إليه بالقول:

«إِنَّ ذَنْبِي عَظِيمٌ عِنْدَ أَهْلِ بَيْتِكَ وَعِنْدَ الْعَامَّةِ وَالنَّاسُ يَلُومُونَنِي بِقَتْلِ أَخِيكَ المَخْلُوعِ وَبَيْعَةِ الرِّضَا عليه السلام، وَلَا آمُنُ السُّعَاةَ وَالْحُسَّادَ وَأَهْلَ الْبَغْيِ أَنْ يَسْعَوْا بِي، فَدَعْنِي أَخْلُفُكَ بِخُرَاسَان» [٢]

. ولكن المأمون يصدّ عليه بذلك وقد دبَّر له أمراً. إنه لا يريد اغتياله في معقل قوته وبين أنصاره وأعوانه بل في الطريق.

وفعلًا- تقول الرواية- فلما كان بعد ذلك (والحوار بين المأمون والفضل)- بأيام ونحن في بعض المنازل- دخل الفضل الحمام

«فَدَخَلَ عَلَيْهِ قَوْمٌ بِالسُّيُوفِ فَقَتَلُوهُ وَأُخِذَ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي الْحَمَّامِ، وَكَانُوا ثَلَاثَةَ نَفَرٍ أَحَدُهُمْ ابْنُ خَالَةِ الْفَضْلِ ذُو الْقَلَمَيْنِ. قَالَ: وَاجْتَمَعَ الْقُوَّادُ وَالْجُنْدُ وَمَنْ كَانَ مِنْ رِجَالِ ذِي الرِّئَاسَتَيْنِ عَلَى بَابِ المَأْمُونِ، فَقَالُوا: اغْتَالَهُ وَقَتَلَهُ فَلَنَطْلُبَنَّ بِدَمِه» [٣]

. وهكذا تخلَّص المأمون من أبرز مراكز القوى داخل سلطته،


[١] بحار الأنوار، ج ٤٩، ص ١٦٤.

[٢] بحار الأنوار، ج ٤٩، ص ١٦٦.

[٣] بحار الأنوار، ج ٤٩، ص ١٦٨.