الإمام الرضا عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩ - الفصل الثَّاني الإِمَامُ وَعَصْرُهُ

يشير الطغاة عادة إلى بطانتهم من الاعتراف بحق معارضيهم، وذلك عندما تستيقظ ضمائرهم ولو لفترة محدودة. وهكذا يروي المأمون أنه إنما تشيّع على يد والده.

وقد أسرّ المأمون إلى بعض خواصه بالسبب الذي دعاه إلى هذا الأمر، فعَنِ الرَّيَّانِ بْنِ الصَّلْتِ قَالَ: «أَكْثَرَ النَّاسُ فِي بَيْعَةِ الرِّضَا عليه السلام مِنَ الْقُوَّادِ وَالْعَامَّةِ وَمَنْ لَا يُحِبُّ ذَلِكَ، وَقَالُوا: إِنَّ هَذَا مِنْ تَدْبِيرِ الْفَضْلِبْنِ سَهْلٍ ذِي الرِّئَاسَتَيْنِ، فَبَلَغَ المَأْمُونَ ذَلِكَ فَبَعَثَ إِلَيَّ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَصِرْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا رَيَّانُ! بَلَغَنِي أَنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: إِنَّ بَيْعَةَ الرِّضَا عليه السلام كَانَتْ مِنْ تَدْبِيرِ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ؟ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! يَقُولُونَ هَذَا، قَالَ: وَيْحَكَ يَا رَيَّانُ! أَيَجْسُرُ أَحَدٌ أَنْ يَجِيءَ إِلَى خَلِيفَةٍ قَدِ اسْتَقَامَتْ لَهُ الرَّعِيَّةُ وَالْقُوَّادُ وَاسْتَوَتْ لَهُ الْخِلَافَةُ فَيَقُولَ لَهُ: ادْفَعِ الْخِلَافَةَ مِنْ يَدِكَ إِلَى غَيْرِكَ، أَيَجُوزُ هَذَا فِي الْعَقْلِ؟ قُلْتُ لَهُ: لَا وَاللهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا يَجْسُرُ عَلَى هَذَا أَحَدٌ، قَالَ: لَا وَاللهِ مَا كَانَ كَمَا يَقُولُونَ، وَلَكِنْ سَأُخْبِرُكَ بِسَبَبِ ذَلِك.

أَنَّهُ لَمَّا كَتَبَ إِلَيَّ مُحَمَّدٌ أَخِي يَأْمُرُنِي بِالْقَدُومِ عَلَيْهِ فَأَبَيْتُ عَلَيْهِ، عَقَدَ لِعَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ وَأَمَرَهُ أَنْ يُقَيِّدَنِي بِقَيْدٍ وَيَجْعَلَ الْجَامِعَةَ فِي عُنُقِي، فَوَرَدَ عَلَيَّ بِذَلِكَ الْخَبَرِ وَبَعَثْتُ هَرْثَمَةَ بْنَ أَعْيَنَ إِلَى سِجِسْتَانَ وَكِرْمَانَ وَمَا وَالَاهُمَا، فَأَفْسَدَ عَلَيَّ أَمْرِي وَانْهَزَمَ هَرْثَمَةُ، وَخَرَجَ صَاحِبُ السَّرِيرِ وَغَلَبَ عَلَى كُوَرِ خُرَاسَانَ مِنْ نَاحِيَتِهِ، فَوَرَدَ عَلَيَّ هَذَا كُلُّهُ فِي أُسْبُوع.

فَلَمَّا وَرَدَ ذَلِكَ عَلَيَّ لَمْ يَكُنْ لِي قُوَّةٌ بِذَلِكَ، وَلَا كَانَ لِي مَالٌ أَتَقَوَّى بِهِ، وَرَأَيْتُ مِنْ قُوَّادِي وَرِجَالِيَ الْفَشَلَ وَالْجُبْنَ أَرَدْتُ أَنْ أَلْحَقَ بِمَلِكِ كَابُلَ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: مَلِكُ كَابُلَ رجُلٌ كَافِرٌ وَيَبْذُلُ مُحَمَّدٌ لَهُ الْأَمْوَالَ فَيَدْفَعُنِي إِلَى يَدِهِ، فَلَمْ أَجِدْ وَجْهاً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ أَتُوبَ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَ