الإمام الرضا عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧ - الفصل الأول وَجَاءَ المولُودُ المَيمُونُ
جاء في الحديث: عَنْ أَبِي ذَكْوَانَ قَالَ سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْعَبَّاسِ يَقُولُ:
مَا رَأَيْتُ الرِّضَا عليه السلام سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا عَلِمَهُ، وَلَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ مِنْهُ بِمَا كَانَ فِي الزَّمَانِ إِلَى وَقْتِهِ وَعَصْرِهِ، وَكَانَ المَأْمُونُ يَمْتَحِنُهُ بِالسُّؤَالِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَيُجِيبُ فِيهِ، وَكَانَ كَلَامُهُ كُلُّهُ وَجَوَابُهُ وَتَمَثُّلُهُ انْتِزَاعَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَكَانَ يَخْتِمُهُ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ وَيَقُولُ: «لَوْ أَرَدْتُ أَنْ أَخْتِمَهُ فِي أَقْرَبَ مِنْ ثَلَاثَةٍ لَخَتَمْتُ، وَلَكِنِّي مَا مَرَرْتُ بِآيَةٍ قَطُّ إِلَّا فَكَّرْتُ فِيهَا وَفِي أَيِّ شَيْءٍ أُنْزِلَتْ وَفِي أَيِّ وَقْتٍ، فَلِذَلِكَ صِرْتُ أَخْتِمُ فِي كُلِّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» [١]
. ولكن دعنا نعرف كيف تمثَّل إمامنا الرضا عليه السلام القرآن بهذه الدرجة، أَوَيُمكننا أن نتبعه في ذلك؟
القرآن كتاب الله ومن لا يتصل قلبه بنور الله لا يعرف كتابه، أَوَلَمْ يقل ربنا سبحانه: وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً [٢].
وبدرجة الإيمان، وبمستوى اليقين، وبقدر تجلي عظمة الرب في القلب يستضيء الإنسان بنور الله الذي تجلَّى به في كتابه.
والإمام الرضا عليه السلام عظَّم الله ووقَّره، وسلَّم له أمره، واستصغر كل شيء سواه، واستعد لكل بلاء في سبيله، وكان كل ذلك وسيلته إلى ربه.
دعنا نلتمس بعض الشواهد على ما قلنا لا لنزداد بالإمام معرفة فقط، بل لكي تخشع قلوبنا أيضاً بهذه السيرة التي تفيض روحاً إلهيًّا وضياءً.
كان من عبادته عليه السلام أنه إذا صلّى الفجر في أول وقتها يسجد
[١] بحار الأنوار، ج ٤٩، ص ٩٠.
[٢] سورة الإسراء، الآية: ٨٢.