الإمام الحسين عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢ - ويتقدم فطرس

لِتُوْدِعَهَا خَزَائِنَ دِمَشْقَ، وَتَعُلُّ بِهَا بَعْدَ نَهْلٍ بِبَنِيْ أَبِيْكَ، وَإِنِّيْ احْتَجْتُ إِلَيْهَا وَأَخَذْتُهَا وَالسَّلَامُ ..»[١].

وأول ما لفت نظر معاوية من هذه الرسالة تقديم الإمام الحسين عليه السلام اسمه واسم أبيه على ذكر معاوية، ثم دعاؤه له باسمه الشخصي دون أن يشفعه بلقب «أمير المؤمنين»، ويعتبر ذلك في منطق القرون الأولى تحدياً بليغاً لسلطة معاوية، بل يُؤَكَّدُ هذا في أن الكاتب قد خلع عن نفسه الرضوخ لسلطان الدولة الباطلة.

ثم جلب انتباهه موضوع أخذ اليد، وفيه أبلغ دليل على التمرد على السلطة الحاكمة.

بيد أن معاوية بدهائه عرف أن الظروف لا تقتضي إلَّا الإغماض عن أمثال هذه الأعمال، ولم يكن الإمام عليه السلام يريد أن يبتدئ بإعلان التمرد المسلح لأنه كان حريصاً على حفظ دماء المسلمين كحرصه على نشر الحقيقة.

فكتب إليه معاوية: في منطق مستعتب وبيّن أنه عارف بمكانته، وجليل شأنه، وأنه لا يريد أن يمس ساحته بسوء. بيد أن خَلَفَهُ من بعده سوف يكون له بالمرصاد.

ومضى الحسين عليه السلام في توطيد دعائم الحقيقة، ببث الوعي، وجمع الأنصار، ولا زالت الأنباء تتوارد على البلاط الملكي بشأن الإمام، وأنه يُعِدُّ العِدَّة لثورة فاصلة.

بيد أن معاوية كاد يُتِمُّ الأمر بالخدعة قبل أن يدبر النقمة لعدم


[١] شرح نهج البلاغة، ج ١٨، ص ٤٠٩.