الإمام الحسين عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٩

أمامه الكوفة المخلوعة المغلوبة على أمرها، ووراءه مكة المحتشدة فيها قوى مناوئيه من أنصار بني أمية وغيرهم.

ومعه الآن زهاء ألف من الأنصار، أشد ما يكون احتياجاً إلى الإبقاء عليهم بكل وسيلة.

لكنه أبى إلَّا أن يُصارحهم بالموضوع، ويُبَيِّنَ لهم سقوط حكومته في الكوفة، وحرج موقفه، ويُجيز لهم التخلِّي عنه إن شاؤوا.

استمعوا إلى خطبته حينما سمع بسقوط الكوفة في أيدي بني أمية:

«أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّمَا جَمَعْتُكُمْ عَلَىْ أَنَّ العِرَاقَ لِيْ، وَقَدْ أَتَانِيْ خَبَرٌ فَظِيْعٌ عَنْ ابْنِ عَمِّيْ مُسْلِمٍ يَدُلُّ عَلَىْ أَنَّ شِيْعَتَنَا قَدْ خَذَلَتْنَا. فَمَنْ مِنْكُمْ يَصْبِرُ عَلَىْ حَرِّ السُّيُوْفِ، وَطَعْنِ الأَسِنَّةِ فَلْيَأْتِ مَعَنَا، وَإِلَّا فَلْيَنْصَرِفْ عَنَّا»[١].

إنه لا يبتغي من وراء نهضته سوى الله. وإذاً فليعمل كما يريد الله صريحاً واضحاً فلا يخدع ولا يمكر.

وهنا ندع التاريخ يقصُّ علينا عن أنصار يزيد قصتين أيضاً:

١- طلب ابنُ زياد الزعيمَ الشيعيَّ الآنف الذكر هاني بن عروة ليتفاوض معه في بعض الشؤون. واغترَّ الرجل وذهب إلى قصر الإمارة، فلما دخله أخذوه وعذبوه ثم قتلوه، في حين أنهم أعطوه الأيمان والمواثيق قبل قدومه القصر بأنه لا يمسُّه سوء منهم.

٢- وحشدت شيعة علي عليه السلام أمرها وجاءت تحاصر قصر الإمارة تريد إنقاذ هانئٍ الذي خدعوه ومكروا به، ولم يكن إذ ذاك على قيد الحياة.


[١] بلاغة الإمام الحسين عليه السلام: (ص ٦٩).