الإمام الحسين عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣ - الفصل الأول الوَلِيْدُ السَّعِيْدُ
نظرة أخرى على هذا الرضيع الميمون فيهزّه البُشر حيناً، ويهيج به الحزن أحياناً، ولا يزال كذلك حتى تنهمر من عينيه الوضيئتين دموع، ودموع ...
يبكي رسول الله صلى الله عليه واله .. وما أشجعه!، وهو الذي يلوذ بعريشه أشجع قريش وأبسلها، علي بن أبي طالب عليه السلام حينما يشتد به الروع، فيكون أقرب المحاربين إلى العدو، ثم لا يفلُّ ذلك من عزمه ومضائه قدر أنملة، لكنه الآن يبكي وحوله نسوة في حفلة ميلاد، فما أعجبه من حادث!
تقول أسماء:
«فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي وَمِمَّ بُكَاؤُكَ؟! قَالَ: عَلَى ابْنِي هَذَا.
قُلْتُ: إِنَّهُ وُلِدَ السَّاعَةَ يَا رَسُولَ الله؟!
فَقَالَ: «تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ مِنْ بَعْدِي، لَا أَنَالَهُمُ اللهُ شَفَاعَتِي»[١].
إن القضية التي تختلج في صدر رسول الله صلى الله عليه واله ليست عاطفة إنسانية أو شهوة بشرية حتى تُغريه عاطفة إعلاء ذكره وبقاء أثره في آله.
كلا .. بل هي قضية رسول، اصطفاه الله واختاره على علم منه، بعزمه ومضائه، وصدقه وإيمانه.
قضية مَنْ تَحمَّل مسؤولية أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال الرواسي، إنها مسؤولية الرسالة العامة إلى العالمين جميعاً.
والحسين عليه السلام ليس ابنه فقط، بل هو قدوة وأسوة لمن يُنذر من بعده، فنبأ مصرعه هو بالذات نبأ مصرع الحق بالباطل، والصدق بالكذب، والعدالة بالظلم ... وهكذا.
[١] بحار الأنوار، ج ٤٣، ص ٢٣٨.