بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ١٦٤ - باب ٦ التيمم و آدابه و أحكامه
أيضا وإن لم يبعد تجويز التيمم والصلاة لادراك فضل الجماعة، لا سيما الجماعة المشتملة على تلك الكثرة العظيمة الواقعة في مثل هذا اليوم الشريف، لكن لم أر قائلا به وهذا الاشكال عن خبر النوادر مندفع، والأحوط الفعل والإعادة في الجمعة.
٢٧ - النوادر: بالاسناد المتقدم عنه عن آبائه عليهم السلام قال: قال علي عليه السلام:
يجوز التيمم بالجص والنورة، ولا يجوز بالرماد، لأنه لم يخرج من الأرض فقيل له: أيتيمم بالصفا البالية على وجه الأرض؟ قال: نعم [١].
توضيح: أما عدم جواز التيمم بالرماد فلا خلاف فيه إذا كان مأخوذا من الشجر والنبات، وهو الظاهر من الرواية، للتعليل بأنه لم يخرج من الأرض أي لم يحصل منها، ويؤيده أنه روى الشيخ [٢] مثل هذه الرواية عن السكوني عنه عليه السلام وزاد في آخره: إنما يخرج من الشجرة.
وأما النورة والجص قبل الاحراق فيجوز التيمم بهما من يجوز التيمم بالحجر، ومنع منه ابن إدريس لكونهما معدنا وهو ضعيف، وشرط الشيخ في النهاية في جواز التيمم بهما فقد التراب، وأما النورة والجص بعد الاحراق فالمشهور المنع من التيمم بهما، لعدم صدق اسم الأرض عليهما، والمنقول عن المرتضى وسلار الجواز وهو الظاهر من الرواية بل الظاهر منها جواز التيمم بكل ما يحصل من الأرض كالخزف واختلفوا فيه، ولعل الجواز أقوى، والترك اختيارا أولى، وكذا الرماد الحاصل من التراب، وإن كان الحكم فيه أخفى، والأكثر فيه على عدم الجواز مع الخروج عن اسم الأرض [٣].
[١] نوادر الراوندي ص ٥٠.
[٢] التهذيب ج ١ ص ٥٣.
[٣] قد عرفت أن الآية الشريفة أمر بتيمم الصعيد، وأن المراد بالصعيد ليس هو الا الغبار المرتفع من الأرض، وإنما أمروا عليهم السلام بضرب الكفين على الأرض ليتحقق مفهوم التيمم، وهو طلب الصعيد فإنه لا يحصل على الكفين الا بضربهما على الأرض ليثور الغبار ويلصق بهما، ولو صح التيمم بالخزف المطبوخ أو الصفاة قبل أن تبلى أو الصخرة الملساء، لما كان لضرب اليد عليها وجه، الا أن يكون عليها غبار تعلو بضرب اليد عليها كما في الصفا البالية وهو الطين المتحجر من صفوة الأرض ينجمد بعد انحسار الماء عن وجهها.
ولو كانت الصفاة بمعنى الصخرة كما توهم لما وصفت في الحديث بالبالية، فان الصخرة لا تبلى، ولما وصفها الفيروزآبادي بقوله: " الصفاة الحجر الصلد الضخم لا ينبت " فان الصلد هو الأرض المتحجرة التي لا تنبت، ولذلك قالوا رأس صلد أي لا ينبت، وجبين صلد أي صلب، وفرس صلد اي لا يعرق.
ومنه قولهم " فلان لا تندى صفاته " أي بخيل لا يسمح بشئ، والمراد بالصفاة هذه الراووق المتخذ من الطين الحر الصلب كالخزف ولذلك وصفت بعدم النداوة والرش، و لو كانت بمعنى الصخرة لما كان ينتظر منه الرش والندى.
وأما الجص والنورة والرماد فكلها يمكن أن يكون صعيدا ثائرا هائجا، وهو ظاهر، الا أن قوله تعالى: " صعيدا طيبا " يخص التيمم بالتراب الخالص الذي يخرج نباته بإذن الله دون النورة والجص والسبخة والرمل والرماد لأنها لا تنبت، وقد وصف الرماد في قوله تعالى " فتصبح صعيدا زلقا " و " انا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا " بكونه زلقا جرزا خرج عن كونه طيبا نابتا.
وعلى ذلك فتوى الأصحاب وروايات الباب، أما الرماد فظاهر، وأما النورة و الجص والسبخة والرمل وأمثالها فهي معادن فلا يجوز التيمم بها اجماعا، وما ورود من رواية السكوني وهي أصل هذا الخبر المروى في النوادر فلا يعبأ بها لضعفها ومعارضتها الاجماع.
وأما استناد بعض الفقهاء بقوله صلى الله عليه وآله: " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " وأن اسم الأرض يقع على الحجر والمدر والتراب كلها ففيه أن الحجر إن كان بمعنى الأرض الصلب الصلد، فلا بأس به، من حيث اطلاق اسم الأرض عليه، الا أنه يقيد اطلاقها بقرينة لفظ الصعيد في القرآن العزيز، ولذلك ورد التصريح بالتراب في بعض الأحاديث ولفظه: جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا ".