بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ١٣٥ - باب ٦ التيمم و آدابه و أحكامه
بمزجه بالمضاف، بحيث لا يخرج من الاطلاق، هل يجب عليه عليه المزج والطهارة به أم يجوز له ترك المزج واختيار التيمم؟ فجماعة من المتأخرين كالعلامة وأتباعه على الأول، وجمع من المتقدمين كالشيخ وأتباعه على الثاني، ولعل ابتناء القولين على التفسيرين السابقين، فالأول على الثاني، والثاني على الأول، إذ يصدق على من هذا حاله أنه غير واجد لما يكفيه للطهارة على الأول، فيندرج تحت قوله سبحانه " فلم تجدوا ماء " بخلاف الثاني فإنه متمكن منه.
وبعض المحققين بنى القول الأول على كون الطهارة بالماء واجبا مطلقا فيجب المزج إذ ما لا يتم الواجب المطلق إلا به - وهو مقدور - واجب، والثاني على أنها واجب مشروط بوجود الماء وتحصيل مقدمة الواجب المشروط غير واجب.
واعلم أن ههنا إشكالا مشهورا وهو أنه سبحانه جمع بين هذه الأشياء في الشرط المرتب عليه جزاء واحد هو الامر بالتيمم: مع أن سببية الأولين للترخص بالتيمم والثالث والرابع لوجوب الطهارة عاطفا بينها بأو: المقتضية لاستقلال كل واحد منها في ترتب الجزاء، مع أنه ليس كذلك إذ متى لم يجتمع أحد الآخرين مع واحد من الأولين، لم يترتب الجزاء وهو وجوب التيمم [١].
[١] هذا الاشكال - وهكذا سائر الاشكالات التي تورد على الآيات الكريمة وبالخصوص آيات الاحكام - إنما ينشأ من حمل ألفاظ القرآن على عرف الشرع مع أن عرف الشرع إنما تحقق بعد نزول الآيات واستنباط الحكم منها. فالقرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين: يبين بنفسه ما تضمنه من الاحكام وغيرها واللازم أن تحمل ألفاظها على حقيقة معانيها من دون تصرف فيها.
فكما أشرنا قبل ذلك، المريض في باب الطهارة هو الذي يضر به الماء وعابر السبيل ومن كان على سفر: هو الذي تلبس بالضرب في الأرض وهو بعد على ظهر الطريق والجنابة هي الحالة التي تتعقب انزال المنى - سواء كان بالاحتلام أو الاستمناء أو الجماع، والذي جاء من الغائط هو الذي راح إلى البراز فبال أو خرء أو أخرج الفسوة من معائه، واللامس للنساء هو الذي باشر زوجته في القبل بالجماع أنزل أو لم ينزل، بمعنى أن الانزال خارج عن مفهوم الملامسة.
فمعنى آية النساء: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة (ولا الصلوات بمعنى المساجد على ما عرفت فيما سبق) وأنتم سكارى، ولا جنبا حتى تغتسلوا وتتطهروا - الا حال كونكم عابري سبيل على ظهر الطريق لا يمكنكم التخلف عن القافلة لاستعمال الماء (ومثله من يسافر في السكك الحديدية) فيجوز لكم الدخول في الصلوات (بكلا المعنيين) الا أنه يجب عليكم حينئذ التيمم كما سنبينه بعدئذ.
" وان كنتم مرضى " أي هذا الذي ذكرنا من حكم الاغتسال والتطهر مخصوص بحال الاختيار، واما ان كنتم حين الجنابة مرضى يضر بكم استعمال الماء " أو على سفر " لا يمهلكم الاستعجال لتخلون وتغتسلون.
" أو جاء أحد منكم من الغائط " أو هنا يفيد بقرينة المقام الاضراب، حيث إن المجيئ من الغائط وهو الحدث الأصغر يقابل الجنابة وهي الحديث الأكبر، فكأنه أضرب واستأنف عنوان المحدث بالحدث الأصغر وقال: أو لم تكونوا جنبا، بل جاء أحد منكم من الغائط " أو لامستم النساء " بالمباشرة والتقاء الختانين فلم تجدوا ماء للتطهير والوضوء فتيمموا صعيدا طيبا.
ومثلها آية المائدة لكنها أوضح من آية النساء، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فتوضأوا وان كنتم جنبا فاطهروا، فيفيد بالمقابلة أن الوضوء إنما يجب على من لم يكن جنبا، بل كان محدثا بالحدث الأصغر، كما يفهم من ذيل الآية الكريمة مع ما تقدم من نزول آية النساء.
ثم إن كنتم حين الجنابة مرضى أو على سفر إلى آخر ما مر من ذيل آية النساء.
وأما أن الجنابة غير الملامسة بمعنى التقاء الختانين فكما هو ظاهر مفهوم من اللفظ، فهو مسلم من السياق حيث أن الجنابة عدت منفردة كما عدت الملامسة، فلو كانت الملامسة بمعنى التقاء الختانين داخلة في مفهوم الجنابة وعنوانها، لكان مستغنى عنها، كيف وقد ذكرت في سياق الحدث الأصغر وهو المجيئ من الغائط، معطوفة عليه بأو المقتضية لاستقلالها؟
على أن الجنب كما يظهر من الاخبار كان يطلق في عرف العرب ولسانهم على من أنزل وصار قذرا بعيدا من الطهارة، ولذلك كانوا يغتسلون منها اتباعا لسنة إبراهيم الخليل عليه السلام، وأما المباشرة من دون انزال وأقله بالتقاء الختانين وغيبوبة الحشفة فلا يعدونها موجبة للقذارة، ولذلك كانوا يختصمون ويقولون " إنما الماء من الماء "، فعلى هذا لا تكون الملامسة داخلة في مفهوم الجنابة لا لغة ومنطوقا، ولا عرفا واطلاقا فوجب الفرق بينهما.
فحكم الملامسة في حال الاضطرار كالمجئ من الغائط، إذا لم يجدا ماء يجب عليهما التيمم، واما في حال الاختيار، فالآية الكريمة ساكتة عن ذلك غير أنها ملحقة بالجنابة بدليل السنة، وسيجئ أخباره في الباب.