بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٢٨٢ - في دفع بعض شبه الفلاسفة الدائرة على ألسنة المنافقين والمشككين
ووجود الواجب سبحانه أمر ثابت لا يتصور فيه شائبة تدريج وانقسام، فأي مناسبة بينه وبين ما ينتزع منه؟ فجوابه أن ما ادعيت من لزوم تحقق المناسبة بين كل انتزاعي ومنشأ انتزاعه حكم غير بين ولا مبين، ولئن سلمنا لزومه فهو لا ينحصر فيما نفهمه من الزمان من معنى التجدد والاتصال، ولعله تتحقق مناسبة ما بينهما من جهة أخرى خفية عن إدراكنا، وعدم الوجدان لا يعطي العدم، ألا ترى أن أكثر الانتزاعيات كالزوجية والفردية والفوقية والتحتية وغيرها ينتزع من محالها ولا يحكم وجداننا بتحقق مناسبات تفصيلية كل منتزع وما ينتزع منه، وذلك إما لعدم لزوم تحققها في الواقع، أو لعدم اطلاعنا على تفاصيلها، وأيام ما كان فليكن الامر فيما نحن بصدده كذلك، على أنه يرد مثل ذلك على الفلاسفة أيضا، إذ الزمان والحركة بمعنى القطع منتزعان عندهم من الآن السيال والحركة التوسطية مع مباينتهما فيما ذكره المورد من الأوصاف [١].
[١] لا ريب في عدم ثبوت واسطة بين الوجود والعدم ولا احتمله أحد من الخاصة، وهذا لعمري من الواضحات بل البديهيات، وان تفوه بعض متكلمي العامة بثبوت الواسطة وقال بالأحوال والثابتات! وكيف كان فلا يظن بالمؤلف رحمه الله مخالفته لجميع الأصحاب، وموافقته للمعتزلة في هذا الباب، فمعنى ما ذكره من كون الأمور الانتزاعية غير موجودة في الخارج ولا معدومة صرفة انها عناوين ذهنية يتوسل بها إلى درك الحقائق الخارجية، فهي موجودة في الذهن معدومة في الخارج ولا تتعدى حد الذهن ابدا وليست كالماهيات الحقيقية التي تتحد في الخارج مع الوجود الخارجي وفي الذهن مع الوجود الذهني لكن لها مناشئ انتزاع حقيقة خارجية متناسبة معها، ولا يمكن انتزاع عنوان من شئ الا لأجل تلك المناسبة والا لأمكن انتزاع كل شئ من كل شئ، وكذا لا يمكن للعقل انتزاع عنوان من شئ لا يدرك مناسبته لذلك العنوان لان الانتزاع فعل العقل والعقل إنما يفعل ما يدرك، فلا يكفي فرض مناسبة خفية عن ادراكه وهو بمكان من الوضوح، وعلى هذا فلو فرض كون الزمان أمرا انتزاعيا فلا محيص عن الالتزام بادراك العقل مناسبته مع منشأ انتزاعه، والمعنى الذي يحكى عنه لفظة (الزمان) هو أمر تدريجي لا يكاد يوجد جزءان منه معا، فهل له مناسبة الا مع الحركة التي هي أيضا كذلك؟ وهل له مناسبة مع ذات البارئ سبحانه التي لا يتطرق إليها تغير وتدرج، ونقص وقصور، وزوال ودثور؟ سبحان الله عما يصفون. وسيأتي من المؤلف ره الاستظهار من روايات كثيرة جدا ان الله تعالى غير مقارن للزمان أصلا، وان الزمان من المقادير، وان حدوث العالم ليس بمعنى سبق زمان عليه.