بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٢٦ - معنى الحدوث والقدم
النسخ بكسر الهمزة مصدر (أرتج الباب) أي أغلقه، وفي بعضها بالفتح جمع (رتج) بالتحريك، أو (رتاج) بالكسر. والأول الباب العظيم، والثاني الباب المغلق أو الذي عليه باب صغير، و (الداجي) المظلم، و (الساجي) الساكن، و (الفجاج) جمع (الفج) بالفتح وهو الطريق الواسع بين الجبلين، و (المهاد) بالكسر:
الفراش. واعتمدت على الشئ: اتكأت عليه، وكل حي يعتمد على رجله في المشي وعلى غيرها، ويمكن أن يراد به القوة والتصرف. وأبدعت الشئ، و ابتدعته: أي استخرجته وأحدثته، و (الابتداع) الخلق على غير مثال، و (وارثه) أي الباقي بعد فنائهم، والمالك لما ملكوا ظاهرا، ولا يخفى صراحته في حدوث العالم.
٢ النهج: قال عليه السلام: الأول قبل كل أول، والآخر بعد كل آخر [١].
بيان: الغرض إثبات الأولية والآخرية الحقيقيتين له سبحانه، وظاهر الأول حدوث ما سواه، واستدل بالثاني على ما ذهب إليه كثير من المتكلمين من انعدام العالم بأسره قبل قيام الساعة، ويمكن أن يكون الآخرية باعتبار أن كل ما عداه في التغير والتحول من حال إلى حال، كما ورد في الرواية، وقيل:
أوليته بحسب الخارج، وآخريته بحسب الذهن، أو الآخر في سلسلة الافتقار لاحتياج الكل إليه سبحانه [٢].
[١] نهج البلاغة: ١٩٤.
[٢] الأولية والآخرية وصفان إضافيان، فإذا قويس شئ إلى آخر وجد بعده وصف بالأولية، وإذا قويس إلى شئ وجد قبله وصف بالأخرية. وللتقدم والتأخر أقسام مذكورة في محلها وقد اختلف القوم في تقدم الواجب على الممكنات، فقيل: إن تقدمه زماني، و قيل: على، وقيل: سرمدي إلى غير ذلك.
لكن التقدم الزماني بمعناه المصطلح وهو وقع المتقدم مقارنا لجزء من الزمان متقدم على الجزء الذي وقع المتأخر مقارنا له مما يستحيل في حق الحق سبحانه وتقدس لتعاليه عن مقارنة الزمان ومقايسته بالحدثان. على أن يستلزم قدم الزمان وهو كر على ما فر منه.
وأما تفسير التقدم الزماني بأن الواجب كان في زمان لم يكن شئ، وتتميمه بأن الزمان أمر موهوم منتزع عن ذاته، مما لا يجدي شيئا ولا يسمن ولا يغنى من جوع. لان الزمان إن كان أمرا موهوما فلا يمكن تأثيره في الواقعيات وإناطة البحث الحقيقي به، غاية الأمر تسميته تعالى بالقديم الزماني تسمية ليس وراءه حقيقة ولا تجاوز حد الاسم والوهم وإن كان أمرا واقعيا فلا يمكن انتزاعه من ذات البارئ سبحانه وإلا لتطرق التغير والحدوث إليها.
وأما آخرية الواجب فقيل بالأخرية الزمانة بمعنى أنه يفتى كل شئ إلا الواجب تعالى فيكون زمان ليس فيه غيره سبحانه ولما كان ظاهر هذا القول مخالفا لظواهر الكتاب والسنة من أبدية نشأة الآخرة وخلود أهلها فسر بفناء الموجودات قبل قيام الساعة!
ولقائل أن يقول: هل يكون عند فناء جميع الموجودات زمان أولا؟ فإن كان فلا يكون الواجب آخرا بالنسبة إلى نفس الزمان، وإلا فلا يكون آخرا زمانيا، على أنه تعالى يكون على هذا آخرا بالنسبة إلى الموجودات قبل قيام الساعة لا بعده وله توال فاسدة أخرى.
وحق القول أن الواجب تعالى محيط بجميع العوالم، مهيمن على كافة الموجودات، و يكون وجوده أوسع وأرفع من كل الوجودات، بل هي بأسرها ظل وجوده وشعاع نوره تبارك وتعالى وليس لها استقلال أصلا، فليس بين الوجودات الإمكانية وبين وجوده السرمدي الواجب المحيط الغير المتناهى بل فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى نسبة. فأين المتناهى من غير المتناهى؟
وما للتراب ورب الأرباب؟!
فكلما قويس وجود إمكاني إلى وجوده المتعالى كان من بين يديه ومن خليفة، ومن فوقه ومن تحته، ومن كل جهة من جهاته، وكل شأن من شؤونه محدودا محاطا بوجوده تبارك و تعالى. فإذا لوحظ الجهة السابقة على الموجودات كان سبحانه هو الأول، وإذا لوحظ الجهة اللاحقة كان هو الاخر، وإذا لوحظ ظاهرها كان هو الباطن، وإذا لوحظ باطنها كان هو الظاهر (هو الأول والاخر والظاهر والباطن وهو بكل شئ عليم) (ألا إنه بكل شئ محيط).