بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٢٥٦ - في كيفية الاستدلال بما تقدم من النصوص
من جهة القدم بكونه إلها ثالثا واجب الوجود.
إذا تقرر هذا فاعلم أن علة الحاجة إلى المؤثر حينئذ يمكن أن تكون هي الامكان لان مصداق مفهوم الامكان حينئذ منحصر في الحوادث، والفرد المفروض أنه قديم لا يصدق عليه الامكان في نفس الامر، بل من أفراد الممتنع، لاستلزامه التسلسل المستحيل مطلقا كما سيجيئ، والممتنع بالذات قد يكون مركبا كالمجموع المركب من الضدين والنقيضين. ويمكن أن تكون علة الحاجة إلى المؤثر هي الحدوث أو الامكان بشرط الحدوث، وقد ذهب إلى كل منها جماعة، وأحد الأخيرين هو الظاهر من أكثر الاخبار كما أومأنا إليه في بعضها [١]. ومنها حديث الرضا عليه السلام في علة خلق السماوات والأرض في ستة أيام.
ويدل عليه ما روي عن الرضا عليه السلام أنه دخل عليه رجل فقال: يا ابن رسول الله! ما الدليل على حدوث العالم؟ قال: إنك لم تكن ثم كنت، وقد علمت أنك لم تكون نفسك، ولا كونك، من هو مثلك. فإن الظاهر أن مراد السائل من حدوث العالم إثبات الصانع بناء على التلازم بينهما بقرينة الجواب، واستدل عليه السلام بوجود المخاطب بعد عدمه أي حدوثه الزماني على الصانع تعالى [٢].
ومن الدلائل على الحدوث ما يدل على أوليته تعالى، فإن الأولية
[١] لم نجد في الاخبار الشريفة ما يدل على المدعى، وقد عرفت عدم دلالة ما تمسك به لذلك فراجع.
[٢] لاشك انه عليه السلام استدل من طريق حدوث المخاطب الثابت بالوجدان على وجود الصانع، لكن من الممكن أن يكون قد استدل بالحدوث على الامكان وبالامكان على وجود الصانع، واكتفى بذكر الحدوث لوضوح الملازمة بينه وبين الامكان، فلا يثبت به العكس أعني ملازمة الامكان مع الحدوث أيضا، وعلى هذا فلا يستفاد منه ان ملاك الاحتياج إلى المؤثر هو الحدوث أو الامكان بشرط الحدوث كما لا يخفى على أنه قد ثبت في محله بالبرهان القطعي ان الملاك مجرد الامكان لا غير، وصريح به المحقق الطوسي في التجريد، ولو فرض وجود ما ظاهره خلاف ذلك لوجب صرفه عن ظاهره.