بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ١٢٨ - الخطبة التي خطبها أمير المؤمنين (ع) في التوحيد وخلق الأشياء، وفيها بيان
وأول بعض الشارحين بتباين أجزاء المركب لولا التركيب والتأليف، أو بالفواصل التي كانت بين السماوات لولا أن الصانع خلقها أكرا [١] متماسة. وإنما اضطره إلى ذلك الاعتقاد بقواعد الفلاسفة وتقليدهم.
و (ملاحمة الصدوع) إلصاق الاجزاء ذوات الصدوع بعضها ببعض، وإضافة الصدوع إلى الانفراج من إضافة الخاص إلى العام. و (وشج) بالتشديد أي شبك والضمير في (بينها) راجع إلى ما يرجع إليه الضمائر السابقة.
وقال ابن ميثم: المراد بأزواجها نفوسها التي هي الملائكة السماوية بمعنى قرائنها وكل قرين زوج، أي ربط ما بينها وبين نفوسها بقبول كل جرم سماوي لنفسها التي لا يقبلها غيره.
وأقول: القول بكون السماوات حيوانات ذوات نفوس مخالف للمشهور بين أهل الاسلام، بل نقل السيد المرتضى رضي الله عنه إجماع المسلمين على أن الأفلاك لا شعور لها ولا إرادة، بل هي أجسام جمادية يحركها خالقها [٢]. ويمكن أن يراد
[١] الأكر بضم الهمزة وفتح الكاف جمع (كرة) وهي كل جسم مستدير.
[٢] البحث عن الأفلاك وماهيتها بحث هيوي اختلف فيه أقوال قدماء الهويين من يونان والمتأخرين من علماء أوربا: وفيه فرضية مشهورة من بطليموس وهو من أقدم فلكيي يونان وهي ان الأفلاك كرات يحتوي بعضها على بعض منها كلية ومنها جزئية وان الأفلاك الكلية تسعة وزعم أن لها احكاما يختص بها من بين الأجسام، منها استحالة الخرق والالتئام، واحكام أخرى لا يسع ذكرها المقام وقد أبطلها علماء الهيئة الحديثة، وهدموا أساسها، ونقضوا حدودها، و خرقوا كليها وجزئيها وكيف كان فالبحث عن هذه المسألة شأن العالم الهيوي. لا الفقيه والأصولي والمحدث والمنطقي، وليس الاعتقاد بوجود هذه الأفلاك أو عدمها من أصول الدين أو فروعه، ولا مما ورد في كتاب الله أو سنة رسوله، اللهم الا ما ذكر في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة من السماوات والأرض والكواكب والنجوم وان كل كوكب يسبح في فلك إلى غير ذلك لكن لا يجد المتتبع الخبير من كتاب الله آية ولا مما صدر عن معادن علم الله رواية تدل على اثبات الأفلاك البطلميوسية وتصديق ما يستلزمه تلك الفرضية إن لم يجد ما يكذبها ويبطلها! ودعوى الاجماع من المسلمين في مثل المسألة كما ترى، وان فرض اجماع المسلمين في زمان أو في جميع الأزمنة على أمر ليس من دينهم، ولا من واجب اعتقادهم، ولا مما يرتبط بأفعالهم فأي دليل على حجته؟
ومن أين يمكن القول بوجوب اتباعه والاعتقاد بمعقده؟! هذا حال أصل الأفلاك! فما ترى في البحث عن كونها ذوات نفوس مدركة أو جمادات فاقدة للشعور والإرادة؟ وغير خفى ان دعوى الاجماع على أحد طرقي المسألة ممنوعة، وحجيته على فرض وجوده غير مسلمة، بل لا ينبغي الشك في عدم حجيته.