بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٥٢ - فيما قاله الرضا عليه السلام لعمران الصابي، وفيه بيان
خلقا له، وإنما هو الله عز وجل وخلقه لا ثالث بينهما ولا ثالث غيرهما، فما خلق الله عز وجل لم يعد أن يكون خلقه، وقد يكون الخلق ساكنا ومتحركا ومختلفا ومؤتلفا ومعلوما ومتشابها، وكل ما وقع عليه حد فهو خلق الله عز وجل.
واعلم أن كل ما أوجدتك الحواس فهو معنى مدرك للحواس، وكل حاسة تدل على ما جعل [١] الله عز وجل لها في إدراكها، والفهم من القلب بجميع ذلك كله واعلم أن الواحد الذي هو قائم بغير تقدير ولا تحديد خلق خلقا مقدرا بتحديد وتقدير، وكان الذي خلق خلقين اثنين التقدير والمقدر وليس في [٢] واحد منهما لون ولا وزن ولا ذوق فجعل أحدهما يدرك بالآخر وجعلهما مدركين بنفسهما ولم يخلق شيئا فردا قائما بنفسه دون غيره للذي أراد من الدلالة على نفسه وإثبات وجوده، فالله تبارك وتعالى فرد واحد لا ثاني معه يقيمه، ولا يعضده ولا يكنه [٣] والخلق يمسك بعضه بعضا بإذن الله ومشيته، وإنما اختلف الناس في هذا الباب حتى تاهوا وتحيروا، وطلبوا الخلاص من الظلمة بالظلمة في وصفهم الله بصفة أنفسهم فازدادوا من الحق بعدا، ولو وصفوا الله عز وجل بصفاته ووصفوا المخلوقين بصفاتهم لقالوا بالفهم واليقين، ولما اختلفوا، فلما طلبوا من ذلك ما تحيروا فيه ارتبكوا والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم [٤] (تمام الخبر).
بيان: (لا في شئ أقامه [٥]) أي في مادة قديمة كما زعمته الفلاسفة، و (مثله
[١] في بعض النسخ: خلق.
[٢] في العيون: في كل واحد.
[٣] في التوحيد: ولا يمسكه.
[٤] التوحيد: ص ٣١٨. العيون، ج ١، ص ١٦٩.
[٥] ظاهر كلامه عليه السلام أن الله تعالى حين خلق المخلوق الأول لم يقمه في شئ أي لم يجعله في مكان ولا موضوع ولا محل، لأنه لم يكن عندئذ شئ آخر حتى يقوم فيه، ويلزم من ذلك أن لا يكون المخلوق الأول أمرا ماديا، وإلا لاحتاج إلى مكان أول محل لا محالة. و أما حديث قدم المادة فقد مر منا أنها ليست أمرا متحصلا حتى يقال: هل هي قديمة أو حادثة زمانا؟ وتحصلها إنما يكون بالصور، والصور الجسمانية حادثة زمانا عند الكل الا الصور الفلكية، فإنها على فرض وجودها غير حادثة زمانا عند بعض الفلاسفة فتدبر.