بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٣١ - معنى الحدوث والقدم
منها إذ صنعه، ولم يؤده منها خلق ما برأه وخلقه [١]، ولم يكونها لتشديد سلطان ولا لخوف من زوال ونقصان، ولا للاستعانة بها على ند مكاثر، ولا للاحتراز بها من ضد مثاور، ولا للازدياد بها في ملكه، ولا لمكاثرة شريك في شركه، ولا لوحشة كانت منه فأراد أن يستأنس إليها، ثم هو يفنيها بعد تكوينها لا لسأم دخل عليه في تصريفها وتدبيرها، ولا لراحة واصلة إليه، ولا لثقل شئ منها عليه، لم يمله طول بقائها فيدعوه إلى سرعة إفنائها، لكنه سبحانه دبرها بلطفه وأمسكها بأمره، و أتقنها بقدرته، ثم يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه إليها، ولا استعانة بشئ منها عليها، ولا لانصراف من حال وحشة إلى حال استئناس، ولا من حال جهل وعمى إلى علم [٢] والتماس، ولا من فقر وحاجة إلى غنى وكثرة، ولا من ذل وضعة إلى عز وقدرة [٣].
ايضاح: (الدال على قدمه بحدوث خلقه) فيه وفيما بعده دلالة على أن علة الفاقة إلى المؤثر الحدوث، وأنه لا يعقل التأثير في الأزلي القديم [٤].
وكذا
[١] في المصدر: ما خلقه وبرأه.
[٢] في المصدر: إلى حال علم.
[٣] نهج البلاغة: ج ١، ص ٣٥٤.
[٤] الحدوث والقدم قد يستعملان بمعنى المسبوقية بالعدم الذاتي ومقابلها، وقد يستعملان بمعنى المسبوقية بالعدم الزماني ومقابلها فإن كان المراد بهما في كلامه عليه السلام المعنى الأول كان المعنى أن العالم لمكان إمكانه يدل على وجود الواجب. وإن كان المراد بالحدوث الحدوث الزماني وبالقدم، القدم الذاتي كان المعنى أن الحدوث الزماني في الزمانيات دليل على وجود الواجب، وذلك لان الحدوث تغير والتغير يختص بالممكن والممكن يحتاج إلى الواجب، وأيضا الحادث مسبوق بالعدم وكل ما كان كذلك أمكن عدمه فاحتاج في الوجود إلى الواجب، وإن كان المراد بهما الحدوث والقدم الزمانيين كان المعنى أن الحدوث الزماني في الزمانيات يدل على كون الواجب قديما غير مقيد بالزمان وذلك لان الحدوث نقص ومحدودية ووجود الواجب تام وفوق التمام فلا يتصف به. وإن كان المراد بالحدوث، الحدوث الذاتي وبالقدم، القدم الزماني كان المعنى أن امكان الخلق يدل على قدم الواجب وعدم تقيده بالزمان لكنه في غاية البعد وعلى الأولين فكلامه عليه السلام ناظر إلى إثبات الواجب وعلى الآخرين فناظر إلى إثبات قدمه وعلى كل حال فلا يستفاد من كلامه عليه السلام أن ما يحتاج إلى العلة ينحصر في الحادث الزماني بحيث لو فرض ممكن غير حادث زمانا لم يحتج إلى الواجب فتأمل.
وأما تحقيق القول في أن ملاك الاحتياج إلى العلة هل هو الحدوث أو الامكان فله محل آخر.
وأما النكتة في جعله عليه السلام (الدال) صفة له سبحانه لا لخلقه مع أن الظاهر أن الخلق يدل بحدوثه على قدم الواجب فهي أن الذي يدل الناس إلى الحق حقيقة هو الحق سبحانه كما في الدعاء المأثور (وأنت دللتني عليك ودعوتني إليك) ويدل على ذلك روايات كثيرة و أدعية مأثورة ووجوه عقلية يضيق المجال عن ذكرها.