تعليقة على معالم الاصول - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٥٣٠ - أدلّة القول بعدم الملازمة
ولا ريب في قبح التكليف الإلزامي بما ليس فيه حسن إلزامي ، فيكون المدار في حسن التكليف وعدمه على حسن الفعل وعدمه ، ولذا صحّ التكليف الإلزامي بما لا يرتفع حسنه الملزم بالمشقّة كالجهاد والحجّ والصوم في القيظ [١] ونحو ذلك.
ومنها : أنّ الصبيّ المراهق إذا كان كامل العقل لطيف القريحة تثبت الأحكام العقليّة في حقّه كغيره من الكاملين ، ومع ذلك لم يكلّفه الشارع بوجوب ولا تحريم لمصالح داعية إلى ترك تكليفه بهما ، من التوسعة عليه وحفظ القوانين الشرعيّة عن التشويش وعدم الانضباط. [٢]
وفيه : أنّه قد ظهر من تضاعيف كلماتنا السابقة أنّ الحكم الشرعي له مراتب ثلاث ، الطلب الفعلي المتعلّق بالفعل أو الترك المعبّر عنهما بالإيجاب والتحريم ، والمجعول الواقعي المكتوب في اللوح المحفوظ ، والمحبوبيّة والمبغوضيّة النفسانيّتان ، والقدر المسلّم عدم ثبوته في حقّ الصبيّ المراهق في موارد الأحكام العقليّة الثابتة في حقّه إنّما هو الحكم الشرعي بالمعنى الأوّل ، وهذا لا ينافي ثبوت الأحكام المجعولة في
الواقع المكتوبة في اللوح المحفوظ في حقّه ، ولا محبوبيّة ومبغوضيّة أفعاله وتروكه للشارع تعالى بحيث يترتّب على موافقتهما ومخالفتهما استحقاق المثوبة والعقوبة.
وهذا على ما بيّنّاه مرارا كاف في انعقاد الحكم الشرعي ، سواء سمّيته تكليفا أو لا ، ولا نعني بالملازمة بين الأحكام العقليّة والأحكام الشرعيّة أزيد ممّا يلازم الحكم الشرعي بهذا المعنى ، وهذا لا ينافي ما ورد في الأخبار من رفع القلم عن الصبيان بقول مطلق ، لجواز أن يراد برفع القلم عنهم رفع قلم العقوبة عنهم في معاصيهم الغير المنافي لاستحقاقها فيكون مفاد الأخبار المشار إليها الوعد والإخبار بالعفو الحتمي عنهم لمصالح دعت إليه ، وكم من هذا القبيل في الشريعة ، ومن هذا الباب العفو عن قصد المعصية على ما ورد به الروايات المستفيضة ، مع أنّه قبيح بصريح العقل واستفاضة النقل عليه كتابا وسنّة.
ومنها : إنّ جملة من الأوامر الشرعيّة متعلّقة بجملة من الأفعال مشروطة بقصد القربة والامتثال ، حتّى أنّها لو تجرّدت عنه لتجرّدت عن وصف الوجوب كالصوم والصلاة والحجّ والزكاة ، فإنّ وقوعها موصوفة بالوجوب الشرعي أو رجحانه مشروط بنيّة القربة حتّى أنّها لو وقعت بدونها لم تتّصف به ، مع أنّ تلك الأفعال بحسب الواقع لا تخلو إمّا أن تكون
[١] القيظ : شدّة الحرّ ، و « القيظ » الفصل الذي يسمّيه الناس الصيف ( المصباح المنير ).
[٢] الفصول : ٣٣٩.