تعليقة على معالم الاصول - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٢٣٧ - ٢ ـ آية النفر وتقريب الاستدلال بها
الكفّار والمشركين من آيات عظمة الله وحكمته وإعلام النبوّة ، ولزمه أنّهم كانوا إذا رجعوا من الجهاد إلى قومهم المتخلّفين في المدينة أخبروهم بكلّ ما شاهدوه ، فهو المراد من التفقّه والإنذار ، ولامهما للعاقبة ومطلق الفائدة لا للغاية ، فالتفقّه والإنذار من قبيل الفوائد الغير المقصود المترتّبة على النفر إلى الجهاد ، لا الغايات المقصودة منه لتجب بوجوبه [١].
ففيه : ما لا يخفى ، فإنّ ظهور الآية في وجوب التفقّه ووجوب الإنذار بعده ممّا لا مجال إلى إنكاره ، إمّا لمنع كون المراد من « النفر » هو النفر إلى الجهاد ، كما يرشد إليه روايات متكاثرة معتبرة ، وفيها الصحاح وغيرها المتكفّلة لاستشهاد الأئمّة عليهمالسلام واستدلالهم لبيان وجوب التفقّه بتلك الآية ، بل في عدّة منها الدلالة صريحة على النفر والمسافرة من البلاد البعيدة لمعرفة الإمام استشهادا بتلك الآية ، ولا ينافيه وقوعها في حيّز آيات الجهاد ، وهذا لا يعطيها السياق الّذي به على خلاف هذا المطلب ، وكم من هذا القبيل في الآيات القرآنيّة ، فإنّها بما هي هي لا سياق لها ، ولا مقتضي لارتباط بعضها ببعض بالنظر إلى نزولها متفرقّة ، فكثيرا مّا ترى أنّ الآية نزلت في مطلب خاصّ غير المطلب الّذي نزلت فيه الآيات السابقة عليها أو اللاحقة بها ، خصوصا هذه الآية بالنظر إلى الأخبار المفسّرة لها بما فهمه المستدلّون بها المخرجة لها عن سياق آيات الجهاد.
ولقد تعرّض لنقل نبذة منها شيخنا قدسسره في رسالته في حجّيّة الظنّ [٢] وممّا هو صريح في كون المراد النفر من البلاد إلى النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، رواية عبد المؤمن الأنصاري المرويّة عن العلل ، « قال قلت لأبي عبد الله عليهالسلام : إنّ قوما يروون أنّ رسول الله قال : اختلاف امّتي رحمة ، فقال : صدقوا ، فقلت : إن كان اختلافهم رحمة فاجتماعهم عذاب ، قال : ليس حيث تذهب وذهبوا ، إنّما أراد قول الله عزّ وجلّ ( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) فأمرهم أن ينفروا إلى رسول الله فيتعلّموا ثمّ يرجعوا إلى قومهم فيعلّموهم ، إنّما أراد اختلافهم من البلدان لا اختلافا في دين الله ، إنّما الدين واحد إنّما الدين واحد [٣].
أو لأنّه على تقدير تسليم كونها من الآيات المتعلّقة بالجهاد ، فهو لا ينافي كون التفقّه ثمّ الإنذار بعده واجبا مقصودا من باب الغاية من نفر الطائفة من كلّ فرقة إلى الجهاد ، نظرا
[١] قاله الحسن وأبو مسلم ، انظر التبيان ٥ : ٣٢١ ومجمع البيان ٣ : ٨٣ و ٨٤.
[٢] فرائد الاصول ١ : ٢٨١.
[٣] الوسائل ٢٧ : ١٤١ / ١٠ ، ب ١١ من أبواب صفات القاضي.