مصادر الوحي وأنواعه في القرآن الكريم - الأعرجي، ستار جبر حمّود - الصفحة ٨٤ - ثالثا ـ وحي مظاهر الطبيعة
اعتمدوه من تلك الطرق هو ما ورد في قوله تعالى منها : «أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ» [١] ، واتّفقوا أنه تعالى كَلَّم عباده من وراء حجاب فيما قصه من تكليمه موسى ٧ في طور سيناء ، وقد فهم المفسرون الحجاب على أنه النار التي تجلى منها تعالى ، أو الشجرة التي سمع موسى الكلام من جهتها. إذ قال تعالى : «فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لاِءَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُم مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللّه رَبُّ الْعَالَمِينَ» [٢].
ونسبة الكلام (الوحي) إلى الشجرة أو النار بكونهما حجابا احتجب تعالى به عن عبده قول يستبعد أية إشارة أو فهم خاطئ يوحي بالحلول أو التجسيم أو تحيُّزه تعالى في مكان ، فليس المقصود بوجود الحجاب أنه حجاب له تعالى ، أو لمحلِّ كلامه أو لمن كلَّمه ، ويرى الشريف المرتضى أن ما أريد بالحجاب في الآية (أنه تعالى ربما يفعل كلاما في جسم محتجب عن المكلم غير معلوم على سبيل التفصيل ، فيسمع المخاطب الكلام ولا يعرف محله على طريق التفصيل) [٣].
ويؤكد الشيخ الطوسي هذا المعنى وأن الكلام فُعِلَ في الشجرة ، وهذا وجه كونها حجابا ولذلك قيل : إن الكلام والنداء سمعه موسى ٧ من ناحية الشجرة ، واستُبعدَ أي احتمال للتجسيم ، فليس المقصود أنه تعالى كان
[١] سورة الشورى : ٤٢ / ٥١. [٢] سورة القصص : ٢٨ / ٢٩ ـ ٣٠. [٣] أمالي المرتضى ٢ : ٢٠٥.