بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢١٢ - الشيعة والمعتزلة أيّتهما أصل للآخر
١٠ ـ قبول التوبة واجب على الله أو تفضّل منه؟
اتفق المسلمون على أنّ التوبة تسقط العقاب ، وإنّما الخلاف في أنّه هل يجب على الله قبولها فلو عاقب بعد التوبة كان ظالماَ أو هو تفضل منه سبحانه؟فالمعتزلة على الأوّل ، والأشاعره والإماميّة على الثاني [١].
قال المفيد :
« اتفقت الإماميّة على أنّ قول التوبة بفضل من الله عزّ وجل ، وليس بواجب في العقول اسقاطها لما سلف من استحقاق العقاب ، ولولا أنّ السمع ورد بإسقاطها لجاز في العقول بقاء التائبين على شرط الإستحقاق ، ووافقهم على ذلك أصحاب الحديث ، وأجمعت المعتزلة على خلافهم وزعموا أنّ التوبة مسقطة لما سلف من العقاب على الواجب [٢].
و لقد أحسن ـ قدّس الله سره ـ حيث جعل محور المسألة قبول التوبة وعدمه بما هو هو لابلحاظ آخر كما في صورة الأخبار بقبول التوبة قال سبحانه : ( يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ) ( التوبة / ١٠٤ ). إذ عندئذ يجب قبول التوبة عقلا وإلالزم الخلف في الوعد. قال الطبرسي في تفسير قوله سبحانه : ( إلاّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فاُولئكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وأَنَا التَّوّاُب الرَّحِيمُ ) ( البقوة / ١٦٠ ). وصفحه بالرحيم عقيب التوّاب يدل على أنّ إسقاط العقاب بعد التوبة تفضل منه سبحانه ورحمة من جهته ، على ما قاله أصحابنا ، وأنّه غير واجب عقلاً على خلاف ماذهب إليه المعتزلة [٣].
ومن أراد أنّ يقف على دلائل المعتزلة في المقام فليرجع إلى كشف المراد شرح المقاصد.
[١] لاحظ : التفتازاني : شرح المقاصد ، ج ٢، ٢٤٢، العلامة الحلّي : كشف المراد ، ص ٢٦٨، القاضي عبدالجبار : شرح الاُصول الخمسة ، ص ٧٩٨.
[٢] المفيد : أوئل المقالات ص ١٥.
[٣] الطبرسي : ومجمع البيان ١ / ٢٤٢.