بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٩٦ - الوعد والوعيد
الثّاني : مانقله عنهم العلاّمة الدوّاني في ( شرح العقائد ) ، قال : « المعتزلة والخوارج أوجبوا عقاب صاحب الكبيرة إذا مات بلا توبة ، وحرّموا عليه العفو. واستدلّوا عليه بأنّ الله أوعد مرتكب الكبيرة بالعقاب ، فلو لم يعاقب لزم الخلف في وعده والكذب في خبره ، وهما محالان » [١].
واُجيب عنه بأنّ الوعد والوعيد مشروطان بقيود وشروط معلومة من النّصوص، فيجوز التخلّف بسبب انتفاء بعض تلك الشّروط [٢].
وربّما اُجيب بوجه آخر وهو أنّ الخلف في الوعيد جائز على الله تعالى وإن كان لا يجوز أن يخلف الوعد. وروي عن أنس بن مالك أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال : « من وعده الله على عمله ثواباً فهو منجز له ، ومن أوعده على عمله عقاباً فهو في الخيار » [٣].
وروي أنّ عمرو بن عبيد ( رئيس المعتزلة بعد واصل ) جاء إلى أبي عمرو بن العلاء وقال : يا أبا عمرو ، يخلف الله ما وعده؟ قال : لا. قال : أفرأيت من أوعده الله على عمل عقاباً ، أيخلف الله وعيده فيه؟ فقال أبو عمرو : من العجمة أتيت يا أبا عثمان ، إنّ الوعد غير الوعيد. إنّ العرب لا يَعدّ عيباً ولا خلفاً ، أن يعد شرّاً ثمّ لم يفعل ، بل يرى ذلك كرماً وفضلاً ، وإنّما الخلف أن يعد خيراً ثمّ لم يفعل. قال ( عمرو بن عبيد ) فأوجدني هذا العرب. قال : نعم ، أما سمعت قول الشاعر :
|
وإنّي إذا أوعدته أو وعدته |
|
لمخلف إيعادي ومنجز موعدي |
وذكر الشاعر الآخر :
|
إذا وعد السرّاء أنجز وعده |
|
وإن أوعد الضرّاء فالعفو مانع [٤] |
[١] شرح العقائد العضدية : ج ٢ ص ١٩٤ ـ ١٩٨. المطبوع مع حاشية اسماعيل الكلنبوي عام ١٣١٩ في الاستانة.
[٢] شرح العقائد العضدية : ج ٢ ص ١٩٤ ـ ١٩٨. المطبوع مع حاشية اسماعيل الكلنبوي عام ١٣١٩ في الاستانة.
[٣] شرح العقائد العضدية ج ٢ ص ١٩٤ ـ ١٩٩ والمتن للقاضي الايجي ( المتوفى عام ٧٥٦ ) والشرح لجلال الدين الدواني ( المتوفى عام ٩٠٨، أو ٩٠٩ هـ ) طبعا مع حواشي الشيخ اسماعيل الكلنبوي المتوفى ( عام ١٢٠٥ هـ ) في استنبول ( عام ١٣١٧ هـ ).
[٤] المعتزلة : ص ١٥٧، والظاهر منه أنّه نقله عن الجويني في كتابه « الارشاد الى قواطع الأدلّة إلى صحيح الاعتقاد ».