بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١١٨ - القدريّة
أنّ الحسن كان يقول ـ إذا رأى غيلان في الموسم ـ : أترون هذا ، هو حجّة الله على أهل الشام ، ولكنّ الفتى مقتول ، وكان وحيد دهره في العلم والزهد والدعاء إلى الله وتوحيده وعدله ، قتله هشام بن عبد الملك وقتل صاحبه. وسبب قتله أنّ غيلان كتب إلى عمر بن عبد العزيز كتاباً يحذِّره فيه من انطفاء السنّة وظهور البدعة [١]. فلمّا وصلت الرسالة إلى عمر بن عبد العزيز دعاه وقال : أعنّي على ما أنا فيه. فقال غيلان : ولّني بيع الخزائن وردّ المظالم فولاّه فكان يبيعها وينادي عليها ويقول : تعالوا إلى متاع الخونة ، تعالوا إلى متاع الظّلمة ، تعالوا إلى متاع من خلَف الرسول في أمّته بغير سنّته وسيرته ، وكان فيما نادي عليه جوارب خزّ فبلغ ثلاثين ألف درهم ، وقد أتكل بعضها. فقال غيلان : من يعذرني ممّن يزعم أنّ هؤلاء كانوا أئّمة هدى وهكذا يأتكل والناس يموتون من الجوع. فمرّ به هشام بن عبد الملك قال : أرى هذا يعيبني ويعيب آبائي وإن ظفرت به لاُقطّعنّ يديه ورجليه فلمّا ولى هشام قتله على النّحو الّذي وعده » [٢].
وما ذكرناه من النُّصوص يوقفنا على اُمور :
١ ـ إنّ القول بكون الإنسان مخيّراً لا مسيّراً يتّصل جذورها بالبيت الهاشمي. فقد عرفت أنّ معبداً الجهني كان تلميذاً لابن عبّاس ، وغيلان الدمشقي تتلمذ للحسن بن محمّد بن الحنفيّة. فما ذكره المقريزي من أنّه أخذ ذلك الرأي من أبي يونس سنسويه لا يركن إليه ، بعد ثبوت تتلمذهما لقادة الفكر من البيت الهاشمي ، ولعمران بن حصين الصحابي الجليل ومن أعلام أصحاب علي عليهالسلام.
٢ ـ إنّ نضال الرّجلين في العهد الأموي كان ضدّ ولاة الجور الّذين كانوا يسفكون الدماء وينسبونه إلى قضاء الله وقدره ، فهؤلاء الأحرار قاموا في وجههم وأنكروا القدر بالمعنى الّذي استغلّته السلطة وبرّرت به أعمالها الشنيعة ، وإلاّ فمن البعيد جدّاً من مسلم واع أن ينكر القضاء والقدر الواردين في الكتاب والسنّة على وجه لا يسلب الحريّة من الإنسان ولا يجعله مكتوف الأيدي.
[١] ستوافيك رسالته فانتظر.
[٢] المنية والأمل : ص ٢٦.