الرافد في علم الأصول - محاضرات السید علی السیستانی، السيد منير السيد عدنان القطيفي - الصفحة ١١٩ - المسلك الثاني
الشرعية حكماً شرعياً بنفسه لا أنه دليل يستنبط منه الحكم [١] ، وذلك لأن مفاد حديث الرفع وأمثاله جعل الشارع لعدم الحكم والاباحة في موارد احتمال التكليف الغير المنجز ، فإذا كان مفاد أدلة البراءة حكماً شرعياً لم تكن البراءة حجة موصلة لحكم العمل ، بل هي نفسها حكم كلي يقوم الفقيه بتطبيقه على الموارد الجزئية كبقية القواعد الفقهية ، كقاعدة اليد والتجاوز والفراغ ولا ضرر التي تكون علاقتها بالحكم الجزئي علاقة الانطباق لا علاقة التوسيط الاثباتي كالقواعد الأصولية.
وتعليقنا على هذه النظرة أن المستفاد من أدلة البراءة الشرعية كما سيأتي في محله عدم تنجز احتمال التكليف وتنزيل وجود التكليف واقعاً بمنزلة عدمه ، لا أن مفادها إنشاء رفع الحكم أو جعل الترخيص واطلاق العنان حتى يكون مؤادها حكماً شرعياً ، والا لكان عدم كل من الأحكام الخمسة حكماً شرعياً أيضاً فتصبح الأحكام عشرة لا خمسة ولا قائل بذلك ، فإذا لم تكن البراءة الشرعية حكماً شرعياً فاعمالها في مورد احتمال التكليف واسطة لإثبات المعذرية عن التكليف المحتمل ، وهذا بنفسه كاف لعدها من لب المسائل الأصولية.
فإن قلت : إذا كان مفاد البراءة الشرعية عدم تنجز احتمال التكليف فهو متحد مع مفاد البراءة العقلية وهي قبح العقاب بلا بيان ، فلا فائدة في البحث عنها والغور في أدلتها ، للاستغناء عنها بحكم العقل العملي بأن العقاب بلا بيان ظلم قبيح.
قلت : هناك فرق واضح بين مفادي البراءتين بحيث لا يستغنى بالبحث في البراءة العقلية عنه في البراءة الشرعية وبالعكس ، لأن البراءة الشرعية أقوى ضماناً وأشد تأميناً للمكلف من العقوبة المحتملة عند احتمال التكليف من البراءة العقلية ، وذلك لوجهين.
[١] بحوث في علم الأصول للمحقق الاصفهاني : ٢٢.