رسالة في التحسين والتقبيح العقليين - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٩ - الثاني موافقة الاَغراض والمصالح
فالملاك بهذا المعنى يوجب الهرج والمرج في باب وصف الاَفعال بأحدهما، لاَنّالاَفعال الكفيلة بتحقيق تلك الاَغراض، تختلف باختلاف الاَشخاص، فعندئذٍ تكون حسنة عند شخص وقبيحة عند آخر، وليس مثل هذا البحث لائقاً بالبحث الكلامي.
ب. أن يكون المراد منها المصالحَ والاَغراضَ النوعية التي يدور عليها بقاء النظام، وهذا كالعدل الذي يقيم النظام، والظلم الذي يهدمه.
إنّ اتخاذ المصالح والاَغراض النوعية ملاكاً للقضاء بأحد الوصفين وإن كانت تصلح أن تكون ملاكاً للحسن والقبح في أفعال الاِنسان ولكنّها لا تصلح لوصف أفعاله سبحانه بالحسن والقبح، وقد سبق منا القول إنّ السبب من وراء طرح هذه المسألة في المسائل الكلامية هو الوقوف على أفعاله سبحانه وما يجوز عليه أو ما لا يجوز، ومن الواضح أنّفعله سبحانه فوق المصالح والاَغراض التي لا تكون ملاكاً لوصف فعله بالحسن والقبح، مثلاً أخذ البريء بذنب المجرم فعل قبيح ولا صلة له بالمصالح والمفاسد، ولاَجل ذلك يجب أن يكون الملاك شاملاً لاَفعال الواجب والممكن.
وبعبارة أُخرى: انّ البحث عن الحسن والقبح العقليّين هو فوق مستوى البحث عن الحسن والقبح العقلائيين، فالملاك في الثاني هو ما مرّ آنفاً من موافقة الفعل للمصالح النوعية ومخالفتها، وهذا النوع من البحث بحث أخلاقي ويصلح أن تكون المصالح والاَغراض رصيداً للحكم بالحسن والقبح في ذلك الاِطار .
وأمّا الملاك في الاَوّل الذي يعم الممكن والواجب، فهو ملاك أوسع من
سابقه، لما عرفت من أنّ فعل البارىَ هو فوق مستوى المصالح والمفاسد النوعية.