رسالة في التحسين والتقبيح العقليين - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٣ - انتفاوَهما مطلقاً لو ثبتا شرعاً
أقول: ثمة احتمال آخر، وهو: انّه من الممكن أن يأمر الشارع بالقبيح ويأمر بالمنكر، أو أن يكذب في إخباره عن الحسن والقبيح، فلا ينتفي ذلك الاحتمال إلاّ بطرح قضية أُخرى وهي:
إنّ الاَمر بالقبيح، والنهي عن المعروف، أو صدور الكذب أمر قبيح، يمتنع صدوره من اللّه سبحانه. لكنّ هذه القضية التي هي المكملة لعلمنا بحسن الاَفعال وقبحها شرعاً، موقوفة على ثبوت أحد أمرين:
أ. أن يحكم العقل بامتناع صدور القبيح من اللّه سبحانه؛ والمفروض أنّ هذا الباب موصد أمام المنكرين للحسن والقبح.
ب. أن يحكم الشرع بامتناع الاَمر بالمنكر والنهي عن المعروف، أو صدور الكذب من اللّه سبحانه؛ ومن الواضح انّ هذه الاَخبار لا ترفع الاحتمال السابق، لاحتمال أن يكون كلامه هذا أيضاً كذباً، أو من قبيل الاَمر بالمنكر والنهي عن المعروف، وبذلك يظهر معنى الدور الذي أشار إليه الفاضل القوشجي بوضوح.
ثمّ إنّه أشكل على محذور الدور بما هذه عبارته:
انّا لا نجعل الاَمر والنهي دليلي الحسن والقبح ليرد ما ذكرتم، بل نجعل الحسن عبارة عن كون الفعل متعلّق الاَمر والمدح، والقبح عن كونه متعلّق النهي والذم. [١]
ل
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مغالطة محضة لا تزيل الاِشكال، لاَنّا نفترض أنّ الاَمر والنهي ليسا دليلي الحسن والقبح، بل دليلهما عبارة عن كون الفعل متعلق الاَمر والنهي، ولكن هناك احتمالات لا يمكن رفعها إلاّ بحكم العقل.
[١]شرح التجريد: ٤٤٢.