تاريخ بغداد - الخطيب البغدادي - الصفحة ١٦١
حكى لي رئيس الرؤساء شرف الوزراء أبو القاسم على بن الحسن عمن حدثه ان أبا عمر الزاهد كان يؤدب ولد القاضى أبى عمر محمد بن يوسف فأملى يوما على الغلام نحوا من ثلاثين مسألة في اللغة وذكر غريبها وختمها ببيتين من الشعر وحضر أبو بكر بن دريد وأبو بكر بن الانباري وأبو بكر بن مقسم عند أبى عمر القاضى فعرض عليهم تلك المسائل فما عرفوا منها شيئا وانكروا الشعر فقال لهم القاضى ما تقولون فيها فقال له بن الانباري انا مشغول بتصنيف مشكل القران ولست أقول شيئا وقال بن مقسم في ذلك واحتج باشتغاله بالقراآت وقال بن دريد هذه المسائل من موضوعات أبى عمر ولا أصل لشئ منها في اللغة وانصرفوا وبلغ أبا عمر ذلك فاجتمع مع القاضى وسأله إحضار دواوين جماعة من قدماء الشعراء عينهم له ففتح القاضى خزائنه واخرج له تلك الدواوين فلم يزل أبو عمر يعمد إلى كل مسألة ويخرج لها شاهدا من بعض تلك الدواوين ويعرضه على القاضى حتى استوفى جميعها ثم قال وهذان البيتان انشدناهما ثعلب بحضرة القاضى وكتبهما القاضى بخطه على ظهر الكتاب الفلاني فأحضر القاضى الكتاب فوجد البيتين على ظهره بخطه كما ذكر أبو عمر فانتهت القصة إلى بن دريد فلم يذكر أبا عمر بلفظه حتى مات قال رئيس الرؤساء أشياء كثيرة مما استنكر على أبى عمر ونسب إلى الكذب فيها مدونة في كتب أئمة أهل العلم وخاصة في غريب المصنف لابي عبيد أو كما قال سمعت أبا القاسم عبد الواحد بن على بن برهان الاسدي يقول لم يتكلم في علم اللغة أحد من الاولين والآخرين أحسن من كلام أبى عمر الزاهد قال وله كتاب في غريب الحديث صنفه على مسند أحمد بن حنبل وجعل يستحسنه جدا بلغني عن أبى الفتح عبيد الله بن أحمد النحوي قال أنشدنا أبو العباس اليشكري في محاسن أبى عمر محمد بن عبد الواحد اللغوي يمدحه أبو عمر أوفى من العلم مرتقى * يذل مسامية ويردى مطاوله فلو اننى اقسمت ما كنت كاذبا * بان لم ير الراؤون حبرا يعادله هو السحب جسما والفضائل جمة * فأعجب بمهزول سمين فضائله تضمن من دون الحناجر زاخرا * تغيب على من لج فيه سواحله إذا قلت شارفنا أواخر علمه * تفجر حتى قلت هذي أوائله