حياة أمير المؤمنين - محمد محمديان - الصفحة ١٧٦
والتدبر قبل العمل فإنه يؤمنك من الندم، ومن استقبل وجوه الآراء [١] عرف مواقع الخطأ، ومن أمسك عن الفضول عدلت رأيه العقول [٢]، ومن حصن شهوته فقد صان قدره، ومن أمسك لسانه أمنه قومه ونال حاجته، وفي تقلب الأحوال علم جواهر الرجال، والأيام توضح لك السرائر الكامنة، وليس في البرق الخاطف مستمتع لمن يخوض في الظلمة [٣]، ومن عرف بالحكمة لحظته العيون بالوقار والهيبة، وأشرف الغنى ترك المنى، والصبر جنة من الفاقة، والحرص علامة الفقر، والبخل جلباب المسكنة، والمودة قرابة مستفادة، ووصول معدم [٤] خير من جاف مكثر، والموعظة كهف لمن وعاها، ومن أطلق طرفه كثر أسفه [٥]، وقد أوجب الدهر شكره على من نال سؤله، وقل ما ينصفك اللسان في نشر قبيح أو إحسان [٦]، ومن ضاق خلقه مله أهله، ومن نال استطال، وقل ما تصدقك الامنية، والتواضع يكسوك المهابة، وفي سعة الأخلاق كنوز الأرزاق، كم من عاكف على ذنبه في آخر أيام عمره [٧]، ومن كساه الحياء ثوبه خفي على الناس عيبه، وانح القصد من القول فإن من تحرى القصد خفت عليه المؤن [٨]، وفي
[١] استقبال وجوه الاراء ملاحظتها واحدا واحدا.
[٢] أي: حكم العقول بعدالة رأيه وصوابه.
[٣] لعل المراد أنه لا ينفعك ما يقرع سمعك من العلوم النادرة كالبرق الخاطف بل ينبغي أن تواظب على سماع المواعظ وتستضئ دائما بأنوار الحكم لتخرجك من الظلمات، ويحتمل أن يكون المراد: لا ينفع سماع العلم مع الانغماس في ظلمات المعاصي والذنوب.
[٤] وصول - بفتح الواو - أي: البار والمعدم: الفقير لأنه أعدم المال.
[٥] الطرف - بسكون الراء -: العين، أي: ومن أطلق عينه كثر أسفه.
[٦] يعني يحملك في الأكثر على المبالغة والزيادة في القول.
[٧] يعني وهو في آخر عمره ولا يدري.
[٨] أي: اقصد الوسط العدل من القول وجانب التعدي والافراط والتفريط ليخف عليك الموؤن. (*)