الدعوات - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ٦٧
فقال له الشيخ أبو القاسم رضى الله عنه : افهم ما أقول لك ، اعلم ان الله تعالى لا يخالط [١] الناس بمشاهدة العيان ، ولا يشافههم بالكلام ، ولكنه جلت عظمته يبعث إليهم رسلا من أجناسهم وأصنافهم بشرا مثلهم ، ولو بعث إليهم رسلا من غير صنفهم وصورهم لنفروا عنهم ، ولم يقبلوا منهم فلما جاؤهم فكانوا من جنسهم كانوا يأكلون الطعام ، ويمشون في الاسواق.
قالوا لهم : انكم [٢] مثلنا لا نقبل منكم حتى تأتوا بشئ نعجز ان نأتى بمثله فنعلم انكم مخصوصون دوننا بما لا نقدر عليه ، فجعل الله عز وجل لهم المعجزات التى يعجز الخلق عنها ، فمنهم من جاء بالطوفان بعد الاعذار والانذار فغرق جميع من طغى وتمرد ، ومنهم من ألقى في النار ، فكانت عليه بردا وسلاما ، ومنهم من أخرج من الحجر الصلد ناقة وأجرى من ضرعها لبنا ، ومنهم من فلق له البحر وفجر له من (الحجر) [٣] العيون ، وجعل له العصى (اليابسة) [٣] ثعبانا تلقف ما يأفكون ، ومنهم من أبرء الاكمه والابرص وأحيى الموتى بأذن الله وأنبأهم بما يأكلون ويدخرون في بيوتهم ، ومنهم من انشق (له) [٣] القمر وكلمته البهائم مثل البعير والذئب وغير ذلك.
فلما أتوا بمثل ذلك ، وعجز الخلق من اممهم ان يأتوا بمثله كان من تقدير الله جل جلاله ، ولطفه بعباده وحكمته ، ان جعل أنبياءه مع هذه المعجزات في حال غالبين ، وفى اخرى (حال) [٤] مغلوبين ، وفى حال قاهرين ، واخرى مقهورين ولو جعلهم عزوجل في جميع أحوالهم قاهرين غالبين ، ولم يبتلهم ولم يمنحهم
[١] في البحار : يخاطب.
[٢] في نسختي الاصل : انهم.
[٣] ما بين المعقوفين من البحار.
[٤] ما بين المعقوفين من البحار ونسخة ـ ب ـ.