جوامع السيرة النبوية - ابن حزم الأندلسي - الصفحة ١٨١ - غزوة فتح مكة
يأتى مكة فينذرهم، فبينما هو يمشى كذلك، إذ سمع صوت أبى سفيان و بديل بن ورقاء، و هما يتساءلان، و قد رأيا نيران عسكر النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، و بديل يقول لأبى سفيان: هذه و اللّه نيران خزاعة. فيقول له أبو سفيان:
خزاعة أقل و أذل من أن تكون لها هذه النيران. فلما سمع العباس كلامه ناداه:
يا أبا حنظلة. فميز أبو سفيان صوته، فقال: أبو الفضل؟ قال: نعم. فقال له أبو سفيان: ما الشأن؟ فداك أبى و أمى. فقال له العباس: و يحك يا أبا سفيان، هذا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى الناس، و اصباح قريش! فقال له أبو سفيان:
و ما الحيلة؟ فقال له العباس: و اللّه إن ظفر بك ليقتلنك، فارتدف خلفى و انهض معى إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). فأردفه العباس، فأتى به العسكر، فلما مر على نار عمر، نظر عمر إلى أبى سفيان فميزه، فقال: أبو سفيان عدو اللّه، الحمد للّه الذي أمكن منك بغير عقد و لا عهد. ثم خرج يشتد إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و سابقه العباس، فسبقه العباس على البغلة، و كان عمر بطيئا فى الجرى، فدخل العباس و دخل عمر على أثره، فقال: يا رسول اللّه، هذا أبو سفيان قد أمكن اللّه منه بلا عقد، فأذن لى أضرب عنقة. فقال العباس:
يا رسول اللّه، قد أجرته. فراده عمر الكلام، فقال العباس: مهلا يا عمر.
فلو كان من بنى عدى بن كعب ما قلت هذا، و لكنه من بنى عبد مناف.
فقال عمر: مهلا، فو اللّه لإسلامك، يوم أسلمت، كان أحب إلى من إسلام الخطاب لو أسلم، و ما بى إلا أنى قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من إسلام الخطاب. فأمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن يحمله إلى رحله، و يأتيه به صباحا، ففعل العباس ذلك. فلما أتى به النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) قال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أ لم يأن لك؟ أ لم تعلم أنه لا إله إلا اللّه؟ فقال أبو سفيان:
بأبى أنت و أمى، ما أحلمك و أكرمك و أوصلك! و اللّه لقد ظننت أنه لو كان معه إله غيره لقد أغنى. ثم قال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): ويحك يا أبا سفيان،