جوامع السيرة النبوية - ابن حزم الأندلسي - الصفحة ٨٣ - غزوة بدر الثانية
ثم رحل، فأخبر عن جبلى الصفراء، و أن اسميهما: مسلح و مخرئ، و أن سكانهما بنو النار و بنو حراق، بطنان من غفار، فكره النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) هذه الأسماء، فترك الجبلين، و ترك الصفراء على اليسار، و أخذ ذات اليمين على وادى ذفران؛ فلما خرج منه نزل.
و أتاه الخبر بخروج نفير قريش لنصر العير، فأخبر أصحابه، (رضوان اللّه عليهم)، و استشارهم فيما يعملون. فتكلم كثير من المهاجرين فأحسنوا، فتمادى فى الاستشارة و هو يريد ما يقول الأنصار، فبادر سعد بن معاذ، و سارع فى فنون من القول الجميل، و كان فيما قال: لو استعرضت هذا البحر بنا لخضناه معك، فسر بنا يا رسول اللّه على بركة اللّه تعالى. فسر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بذلك، فقال: «سيروا و أبشروا، فإن اللّه عز و جل قد وعدنى إحدى الطائفتين».
ثم رحل من ذفران، فسلك على ثنايا يقال لها الأصافر إلى الدبة، و نزل الحنان، و هو كثيب عظيم كالجبل على ذات اليمين، ثم نزل قريبا من بدر، و ركب مع رجل من أصحابه مستخبرا ثم انصرف، فلما أمسى بعث عليا و الزبير و سعد بن أبى وقاص فى نفر إلى بدر يلتمسون الخبر، فأصابوا راوية [١] لقريش، فيها أسلم غلام بنى الحجاج السهمين، و أبو يسار عريض غلام بنى العاص بن سعيد الأمويين، فأتوا بهما، و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قائم يصلى. فسألوهما: لمن أنتما؟ فقالا: نحن سقاة قريش. فكره أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) هذا الخبر، و كانوا يرجون أن يكونا من العير، لعظم الغنيمة فى العير و قلة المثونة فيها، و لأن الشوكة فى نفر قريش شديدة. فجعلوا يضربونهما، فإذا آذاهما الضرب قالا: نحن من عير أبى سفيان. فسلم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ثم
[١] الراوية هى الناقة التي يستقى عليها القوم الماء.