جوامع السيرة النبوية - ابن حزم الأندلسي - الصفحة ١٢٦ - غزوة أحد
و كان أبو عامر عبد عمرو بن صيفى بن مالك بن النعمان أحد بنى ضبيعة، و هو والد حنظلة غسيل الملائكة، و كان أبوه- كما ذكرنا- فى الجاهلية قد ترهب و تنسك، فلما جاء الإسلام غلب عليه الشقاء، ففر مباعدا لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فى جماعة من فتيان الأوس، فلحق بمكة، و شهد يوم أحد مع المشركين، و كان سيدا فى الأوس، فوعد قريشا بانحراف قومه إليه، و كان هو أول من لقى المسلمين يوم أحد فى عبدان أهل مكة و الأحابيش؛ فلما نادى قومه و عرفهم بنفسه، قالوا: لا أنعم اللّه بك عينا يا فاسق. قال: لقد أصاب قومى بعدى شر. ثم قاتل المسلمين قتالا شديدا.
و كان شعار أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يوم أحد: أمت أمت. و أبلى يومئذ أبو دجانة، و طلحة، و حمزة، و على، و أبلى أنس بن النضر بلاء شديدا عجز عن مثله كثير ممن سواه؛ و كذلك جماعة من الأنصار، أصيبوا يومئذ مقبلين غير مدبرين. و قاتل الناس، فاستمرت الهزيمة على قريش.
فلما رأى ذلك الرماة قالوا: قد هزم اللّه أعداء اللّه. قالوا: فما لقعودنا هاهنا معنى، فذكر لهم أميرهم عبد اللّه بن جبير أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لهم بأن لا يزولوا، فقالوا: قد انهزموا؛ و لم يلتفتوا إلى قوله، فقاموا، ثم كر المشركون، فأكرم اللّه تعالى من أكرم من المسلمين بالشهادة، و وصلوا إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقاتل مصعب بن عمير دون رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حتى قتل (رضوان اللّه عليه)؛ و جرح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى وجهه المكرم، و كسرت رباعيته [١] اليمنى و السفلى بحجر، و هشمت البيضة [٢] فى رأسه المقدس، فأعطى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الراية لعلى بن أبى طالب بعد مقتل مصعب،
[١] الرباعية: إحدى الأسنان الأربعة التي تلى الثنايا، بين الثنية و الناب.
[٢] البيضة: الخوذة التي يضعها الفارس على رأسه.