جوامع السيرة النبوية - ابن حزم الأندلسي - الصفحة ٨٥ - غزوة بدر الثانية
ابن كلاب شهدا بدرا مع المشركين، و قتلا يومئذ كافرين، و هما عما مسلم والد الفقيه محمد بن مسلم الزهرى.
فسبق رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قريشا إلى ماء بدر، و منع قريشا من السبق إليه مطر عظيم أرسله اللّه تعالى مما يليهم، و لم يصب منه المسلمين إلا ما لبد لهم الأرض، يعنى دهس الوادى، و أعانهم على السير. فنزل( عليه السلام) على أدنى ماء من مياه بدر إلى المدينة، و أشار عليه الحباب بن المنذر بن عمرو بن الجموح بغير ذلك، و قال يا رسول اللّه: أ رأيت هذا المنزل، أ منزل أنزلك اللّه ليس لنا أن نتقدمه و لا نتأخر عنه، أم هو الرأى و الحرب و المكيدة؟ فقال( عليه السلام): بل هو الرأى و الحرب و المكيدة. فقال: يا رسول اللّه، إن هذا ليس بمنزل، فانهض بنا حتى نأتى أدنى ماء من القوم فننزله، و نغور ما وراءه من القلب [١]، ثم نبنى عليه حوضا فنملؤه، و نشرب و لا يشربون.
فاستحسن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) هذا الرأى و فعله؛ و بنى لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عريش يكون فيه، و مشى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على موضع الوقعة، فعرض على أصحابه مصارع رءوس الكفر من قريش مصرعا مصرعا، يقول: هذا مصرع فلان، و مصرع فلان، فما عدا واحد منهم مضجعه الذي حده رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)
فلما تراءت قريش فيما يليهم بعثوا عمير بن وهب الجمحى فحزر لهم أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و كانوا ثلاثمائة و بضعة عشر رجلا فقط، فيهم فارسان:
الزبير و المقداد بن الأسود، ثم انصرف. و رام حكيم بن حزام و عتبة بن ربيعة أن يرجعا بقريش و لا يكون حرب، فأبى أبو جهل، و ساعده المشركون على ذلك.
[١] القلب بضم القاف و اللام هى الآبار كثيرة الماء.