جوامع السيرة النبوية - ابن حزم الأندلسي - الصفحة ١٧٨ - غزوة فتح مكة
فخرج عمرو بن سالم الخزاعى ثم أحد بنى كعب، و بديل بن ورقاء، و قوم من خزاعة، حتى قدموا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مستغيثين مما أصابهم به بنو بكر بن عبد مناة و قريش، فأجابهم. و أنذرهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بأن أبا سفيان سيأتى ليشد العقد و يزيد فى المدة، و أنه سيرجع بغير حاجة. و ندمت قريش على ما فعلت، فخرج أبو سفيان إلى المدينة ليشد العقد و يزيد فى المدة، فلقى بديل بن ورقاء بعسفان، فكتمه بديل مسيره إلى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، و أخبره أنه إنما سار فى خزاعة على الساحل؛ فنهض أبو سفيان حتى أتى المدينة، فدخل على بنته أم حبيبة، أم المؤمنين، فذهب ليقعد على فراش رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فطوته دونه، فقال لها فى ذلك.
فقالت: هو من أثر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و أنت رجل مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس عليه. فقال: لقد أصابك بعدى شر يا بنية.
ثم أتى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فى المسجد، فكلمه، فلم يجبه بكلمة.
ثم ذهب أبو سفيان إلى أبى بكر الصديق، فكلمه أن يكلم له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فيما أتى له، فأبى أبو بكر من ذلك، فلقى عمر فكلمه فى ذلك، فقال عمر: أنا أفعل ذلك؟ و اللّه لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به، فدخل على على بيته، فوجد عنده فاطمة بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و الحسن و هو صبى، فكلمه فيما أتى له، فقال له على: و اللّه ما نستطيع أن نكلم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى أمر قد عزم عليه. فالتفت إلى فاطمة فقال: يا بنت محمد، هل لك أن تأمرى بنيك هذا فيجير بين الناس؟ فقالت: ما بلغ بنى ذلك، و ما يجير أحد على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). فقال على: يا أبا سفيان، أنت سيد بنى كنانة، فقم فأجر بين الناس ثم ألحق بأرضك. فقال: أ ترى ذلك مغنيا عنى شيئا؟
قال: ما أظن ذلك، و لكن لا أجد لك سواه. فقام أبو سفيان فى المسجد فقال أيها الناس، إنى قد أجرت بين الناس. ثم ركب فانطلق راجعا إلى مكة