جوامع السيرة النبوية - ابن حزم الأندلسي - الصفحة ١٨٠ - غزوة فتح مكة
أن قوما تمادوا على الصيام فقال: أولئك العصاة. فكان هذا نسخا لما تقدم من إباحة الصيام فى السفر. و لم يسافر (صلى اللّه عليه و سلم) بعدها فى رمضان أصلا، فهذا الحكم فى السفر ناسخ لما قبله، و لم يأت بعد شيء ينسخه، و لا حكم يرفعه.
فلما نزل مر الظهران، و معه من بنى سليم ألف رجل، و من مزينة ألف رجل و ثلاثة رجال، و قيل: من بنى سليم سبعمائة، و من غفار أربعمائة، و من أسلم أربعمائة، و طوائف من قيس و أسد و تميم و غيرهم، و من سائر القبائل أيضا جموع.
و قد أخفى اللّه تعالى عن قريش الخبر تدعوه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، إلا أنهم و جسون خائفون؛ و قد خرج أبو سفيان، و بديل بن ورقاء، و حكيم بن حزام، يتجسسون الأخبار.
و قد كان العباس بن عبد المطلب هاجر فى تلك الأيام، فلقى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بذى الحليفة، فبعث ثقله إلى المدينة، و انصرف مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) غازيا. فالعباس من المهاجرين من قبل الفتح، و قيل: بل بل لقيه بالجحفة.
و ذكر أيضا أن أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، و عبد اللّه بن أبى أمية بن المغيرة، أخا أم سلمة أم المؤمنين، لقياه بنيق العقاب مهاجرين؛ فاستأذنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فلم يأذن لهما، فكلمته أم سلمة، فأذن لهما، فاسلما.
فلما نزاوا بمر الظهران أسفت نفس العباس على ذهاب قريش، إن فجئهم الجيش قبل أن يأخذوا [١] لأنفسهم فيستأمنوا [٢]، فركب بغلة النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و نهض، فلما أتى الإدراك و هو يطمع أن يرى حطابا أو صاحب لبن
[١] فى الأصل: يأخذا.
[٢] فى الأصل: «فيستامنون».