جوامع السيرة النبوية - ابن حزم الأندلسي - الصفحة ١٨٢ - غزوة فتح مكة
أ لم يأن لك، أ لم تعلم أنى رسول اللّه؟ فقال: بأبى أنت و أمى، ما أحلمك و أكرمك و أوصلك! أما هذه و اللّه فإن فى نفسى منها شيئا حتى الآن. فقال فقال له العباس: ويحك، أسلم قبل أن تضرب عنقك. فأسلم، فقال العباس:
يا رسول اللّه، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئا. فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، و من أغلق بابه فهو آمن، و من دخل المسجد فهو آمن.
و هذا القول من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لكل من كان لا يقاتل من أهل مكة، من أهل مكة، بنص جلى لا إشكال فيه، فمكة مؤمنة بلا شك، و من ثم لم تؤخذ عنوة بوجه من الوجوه، و لو أمن مسلم من أى المسلمين قرية من دار الحرب على أن يغلقوا أبوابهم و لا يقاتلوا، على ما فعل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بأهل مكة، لكان أمانا صحيحا، و للزم ذلك كل مسلم، و لحرمت دماؤهم و أموالهم و ديارهم، و للزمهم الإسلام أو الجلاء، إلا أن يكونوا كتابيين، فيباح لهم القرار، على الجزية و الصغار، فكيف أمان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)! فمن قال: إن مكة صلح على هذا المعنى، فقد صدق؛ و من قال:
إنها صلح على أنهم دافعوا و امتنعوا حتى صالحوا، فقد أخطأ؛ و أما من قال:
عنوة، فقد أخطأ على كل حال.
و الصحيح اليقين: أنها مؤمنة على دمائهم و ذراريهم و أموالهم و نسائهم، إلا من قاتل أو استثني فقط.
ثم أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) العباس أن يوقف أبا سفيان بخطم الجبل أو الوادى [١] ليرى جيوش اللّه تعالى. ففعل ذلك العباس، و عرض عليه القبائل، قبيلة
[١] خطم الجبل: مقدمة، و خطم كل شيء مقدمه، و خطم الدابة مقدم أنفها. و هو هنا شيء يخرج من الجبل تضيق به الطريق.