البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٩ - إبراهيم بن أدهم
أن يكون سرفا؟ فقال: لا! إنما السرف ما كان في معصية اللَّه، فأما ما أنفقه الرجل على إخوانه فهو من الدين. و ذكروا أنه حصد مرة بعشرين دينارا، فجلس مرة عند حجام هو و صاحب له ليحلق رءوسهم و يحجمهم، فكأنه تبرم بهم و اشتغل عنهم بغيرهم، فتأذى صاحبه من ذلك ثم أقبل عليهم الحجام فقال: ما ذا تريدون؟ قال إبراهيم: أريد أن تحلق رأسي و تحجمنى، ففعل ذلك فأعطاه إبراهيم العشرين دينارا، و قال: أردت أن لا تحقر بعدها فقيرا أبدا. و قال مضاء بن عيسى: ما فاق إبراهيم أصحابه بصوم و لا صلاة و لكن بالصدق و السخاء.
[و كان إبراهيم يقول: فروا من الناس كفراركم من الأسد الضاري، و لا تخلفوا عن الجمعة و الجماعة. و كان إذا سافر مع أحد من أصحابه يحدثه إبراهيم، و كان إذا حضر في مجلس فكأنما على رءوسهم الطير هيبة له و إجلالا. و ربما تسامر هو و سفيان الثوري في الليلة الشاتية إلى الصباح، و كان الثوري يتحرز معه في الكلام. و رأى رجلا قيل له: هذا قاتل خالك، فذهب إليه فسلم عليه و أهدى له و قال: بلغني أن الرجل لا يبلغ درجة اليقين حتى يأمنه عدوه. و قال له رجل: طوبى لك أفنيت عمرك في العبادة و تركت الدنيا و الزوجات. فقال: أ لك عيال؟ قال: نعم. فقال: لروعة الرجل بعياله- يعنى في بعض الأحيان من الفاقة- أفضل من عبادة كذا و كذا سنة. و رآه الأوزاعي ببيروت و على عنقه حزمة حطب فقال: يا أبا إسحاق إن إخوانك يكفونك هذا. فقال له: اسكت يا أبا عمرو! فقد بلغني أنه إذا وقف الرجل موقف مذلة في طلب الحلال وجبت له الجنة. و خرج ابن أدهم من بيت المقدس فمر بطريق فأخذته المسلحة في الطريق فقالوا: أنت عبد؟ قال: نعم. قالوا:
آبق؟ قال نعم. فسجنوه. فبلغ أهل بيت المقدس خبره فجاءوا برمتهم إلى نائب طبرية فقالوا: علام سجنت. فقال: سل المسلحة، قالوا: أنت عبد؟ قلت نعم و أنا عبد اللَّه. قالوا: آبق؟ قلت نعم و أنا عبد آبق من ذنوبي. فخلى سبيله.
و ذكروا أنه مرمع رفقة فإذا الأسد على الطريق فتقدم إليه إبراهيم بن أدهم فقال له: يا قسورة إن كنت أمرت فينا بشيء فامض لما أمرت به و إلا فعودك على بدئك. قالوا: فولى السبع ذاهبا يضرب بذنبه، ثم أقبل علينا إبراهيم فقال: قولوا: اللَّهمّ راعنا بعينك التي لا تنام، و اكنفنا بكنفك الّذي لا يرام، و ارحمنا بقدرتك علينا، و لا نهلك و أنت رجاؤنا يا اللَّه، يا اللَّه، يا اللَّه. قال خلف بن تميم: فما زلت أقولها منذ سمعتها فما عرض لي لص و لا غيره.
و قد روى لهذا شواهد من وجوه أخر. و روى أنه كان يصلى ذات ليلة فجاءه.] [١] أسد
[١] سقط من المصرية.