البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠ - ذكر قتل يزيد بن الوليد الّذي يقال له الناقص للوليد بن يزيد و كيف قتله
فدخلوا من سائر أبواب البلد، كل أهل محلة من الباب الّذي يليهم، فكثرت الجيوش حول يزيد ابن الوليد بن عبد الملك في نصرته، و كلهم قد بايعه بالخلافة. و قد قال فيه بعض الشعراء في ذلك:-
فجاءتهم أنصارهم حين أصبحوا* * * سكاسكها أهل البيوت الصنادد
و كلب فجاءوهم بخيل و عدة* * * من البيض و الأبدان ثم السواعد
فأكرم بها أحياء أنصار سنّة* * * هم منعوا حرماتها كل جاحد
و جاءتهم شيبان و الأزد شرعا* * * و عبس و لخم بين حام و ذائد
و غسان و الحيّان قيس و تغلب* * * و احجم عنها كل و ان و زاهد
فما أصبحوا إلا و هم أهل ملكها* * * قد استوثقوا من كل عات و مارد
و بعث يزيد بن الوليد عبد الرحمن بن مصاد في مائتي فارس إلى قطنا ليأتوه بعبد الملك بن محمد ابن الحجاج نائب دمشق و له الأمان، و كان قد تحصن هناك، فدخلوه عليه فوجدوا عنده خرجين في كل واحد منهما ثلاثون ألف دينار، فلما مروا بالمزة قال أصحاب ابن مصاد: خذ هذا المال فهو خير من يزيد بن الوليد، فقال: لا و اللَّه لا تحدث العرب أنى أول من خان، ثم أتوا به يزيد بن الوليد فاستخدم من ذلك المال جندا للقتال قريبا من ألفى فارس، و بعث به مع أخيه عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك خلف الوليد بن يزيد ليأتوا به، و ركب بعض موالي الوليد فرسا سابقا فساق به حتى انتهى إلى مولاه من الليل، و قد نفق الفرس من السوق، فأخبره الخبر فلم يصدقه و أمر بضربه، ثم تواترت عليه الأخبار فأشار عليه بعض أصحابه أن يتحول من منزله ذاك إلى حمص فإنها حصينة. و قال الأبرش سعيد بن الوليد الكلبي: انزل على قومي بتدمر، فأبى أن يقبل شيئا من ذلك، بل ركب بمن معه، و هو في مائتي فارس، و قصد أصحاب يزيد فالتقوا بثقلة في أثناء الطريق فأخذوه، و جاء الوليد فنزل حصن البخراء الّذي كان للنعمان بن بشير، و جاءه رسول العباس بن الوليد إني آتيك- و كان من أنصاره- فأمر الوليد بإبراز سريره فجلس عليه و قال. أعلى يتوثب الرجال و أنا أثب على الأسد و أتحصّر الأفاعي؟ و قدم عبد العزيز بن الوليد بمن معه، و إنما كان قد خلص معه من الألفي فارس ثمانمائة فارس، فتصافوا فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل من أصحاب العباس جماعة حملت رءوسهم إلى الوليد، و قد كان جاء العباس بن الوليد لنصرة الوليد بن يزيد، فبعث إليه أخوه عبد العزيز فجيء به قهرا حتى بايع لأخيه يزيد بن الوليد، و اجتمعوا على حرب الوليد بن يزيد، فلما رأى الناس اجتماعهم فروا من الوليد إليهم، و بقي الوليد في ذل و قل من الناس، فلجأ إلى الحصن فجاءوا إليه و أحاطوا به من كل جانب يحاصرونه، فدنا الوليد من باب الحصن فنادى ليكلمني رجل شريف، فكلمه يزيد بن عنبسة السكسكي، فقال الوليد: أ لم أدفع الموت عنكم؟