البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٠ - الفضل بن يحيى
يا بعيد [١] الدار عن وطنه* * * مفردا يبكي على شجنه
كلما جد النحيب [٢] به* * * زادت الأسقام في بدنه
ثم أغمي عليه ثم انتبه بصوت طائر على شجرة فقال:
و لقد زاد الفؤاد شجا* * * هاتف [٣] يبكي على فننه
شاقه ما شاقني [٤] فبكى* * * كلنا يبكي على سكنه
قال ثم أغمي عليه أخرى فحركته فإذا هو قد مات. قال الصولي: كانت وفاته في هذه السنة، و قيل بعدها، و قيل قبلها في سنة ثمان و ثمانين و مائة فاللَّه أعلم. و زعم بعض المؤرخين أنه بقي بعد الرشيد.
عيسى بن جعفر بن أبي جعفر المنصور
أخو زبيدة، كان نائبا على البصرة في أيام الرشيد فمات في أثناء هذه السنة. و فيها توفي:
الفضل بن يحيى
ابن خالد بن برمك أخو جعفر و إخوته، كان هو و الرشيد يتراضعان. أرضعت الخيزران فضلا، و أرضعت أم الفضل و هي زبيدة بنت بن بريه هارون الرشيد. و كانت زبيدة هذه من مولدات بتبين البرية، و قد قال في ذلك بعض الشعراء [٥]:
كفى لك فضلا أن أفضل حرة [٦]* * * غذتك بثدي و الخليفة واحد
لقد زنت يحيى في المشاهد كلها* * * كما زان يحيى خالدا في المشاهد
قالوا: و كان الفضل أكرم من أخيه جعفر، و لكن كان فيه كبر شديد، و كان عبوسا، و كان جعفر أحسن بشرا منه و أطلق وجها، و أقل عطاء. و كان الناس إليه أميل، و لكن خصلة الكرم تغطي جميع القبائح، فهي تستر تلك الخصلة التي كانت في الفضل. و قد وهب الفضل لطباخه مائة ألف درهم فعابه أبوه على ذلك، فقال: يا أبت إن هذا يصحبني في العسر و اليسر و العيش الخشن، و استمر معي في هذا الحال فأحسن صحبتي، و قد قال بعض الشعراء:
إنّ الكرام إذا ما أيسروا ذكروا* * * من كان يعتادهم في المنزل الخشن
و وهب يوما لبعض الأدباء عشرة آلاف دينار فبكى الرجل فقال له: مم تبكي، استقللتها؟
[١] في مروج الذهب ٤/ ١٢٧ و وفيات الأعيان ٣/ ٢٦: يا غريب.
[٢] في مروج الذهب:
البكاء به ... دبّت الأسقام ...
[٣] في مروج الذهب و الوفيات: طائر.
[٤] في مروج الذهب: شفّه ما شفّني.
[٥] هو مروان بن أبي حفصة كما في الفخري و وفيات الأعيان.
[٦] في الفخري: كفى لك فخرا أن أكرم حرة.