البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٧ - ذكر ما كان من أمر الامام أحمد بعد المحنة
أبى سعيد الماليني عن ابن عدي عن أبى القاسم البغوي عن أبى الربيع الزهراني عن حماد بن زيد عن بقية بن الوليد عن معاذ بن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري ح. قال البغوي: و حدثني زياد بن أيوب حدثنا مبشر عن معاذ عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري ح.
قال البغوي قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين، و تأويل الجاهلين».
و هذا الحديث مرسل و إسناده فيه ضعف. و العجب أن ابن عبد البر صححه و احتج به على عدالة كل من حمل العلم، و الامام أحمد من أئمة أهل العلم (رحمه اللَّه) و أكرم مثواه.
ذكر ما كان من أمر الامام أحمد بعد المحنة
حين خرج من دار الخلافة صار إلى منزله فدووي حتى برأ و للَّه الحمد، و لزم منزله فلا يخرج منه إلى جمعة و لا جماعة، و امتنع من التحديث، و كانت غلته من ملك له في كل شهر سبعة عشر درهما ينفقها على عياله و يتقنّع بذلك (رحمه اللَّه) صابرا محتسبا. و لم يزل كذلك مدة خلافة المعتصم، و كذلك في أيام ابنه محمد الواثق، فلما ولى المتوكل على اللَّه الخلافة استبشر الناس بولايته، فإنه كان محبا للسنة و أهلها، و رفع المحنة عن الناس، و كتب إلى الآفاق لا يتكلم أحد في القول بخلق القرآن، ثم كتب إلى نائبة ببغداد- و هو إسحاق بن إبراهيم- أن يبعث بأحمد بن حنبل إليه، فاستدعى إسحاق بالإمام أحمد إليه فأكرمه و عظمه، لما يعلم من إعظام الخليفة له و إجلاله إياه، و سأله فيما بينه و بينه عن القرآن فقال له أحمد: سؤالك هذا سؤال تعنت أو استرشاد. فقال: بل سؤال استرشاد. فقال: هو كلام اللَّه منزل غير مخلوق، فسكن إلى قوله في ذلك، ثم جهزه إلى الخليفة إلى سرمنرأى ثم سبقه إليه.
و بلغه أن أحمد اجتاز بابنه محمد بن إسحاق فلم يأته و لم يسلم عليه، فغضب إسحاق بن إبراهيم من ذلك و شكاه إلى الخليفة فقال المتوكل: يرد و إن كان قد وطئ بساطي، فرجع الامام أحمد من الطريق إلى بغداد. و قد كان الامام أحمد كارها لمجيئه إليهم و لكن لم يهن ذلك على كثير من الناس و إنما كان رجوعه عن قول إسحاق بن إبراهيم الّذي كان هو السبب في ضربه. ثم إن رجلا من المبتدعة يقال له ابن البلخي وشى إلى الخليفة شيئا فقال: إن رجلا من العلويين قد أوى إلى منزل أحمد بن حنبل و هو يبايع له الناس في الباطن. فأمر الخليفة نائب بغداد أن يكبس منزل أحمد من الليل.
فلم يشعروا إلا و المشاعل قد أحاطت بالدار من كل جانب حتى من فوق الأسطحة، فوجدوا الامام أحمد جالسا في داره مع عياله فسألوه عما ذكر عنه فقال: ليس عندي من هذا علم، و ليس من هذا شيء و لا هذا من نيتي، و إني لأرى طاعة أمير المؤمنين في السر و العلانية، و في عسري و يسرى و منشطى و مكرهى، و أثره على، و إني لأدعو اللَّه له بالتسديد و التوفيق، في الليل و النهار، في كلام كثير. ففتشوا منزله حتى مكان الكتب و بيوت النساء و الأسطحة و غيرها فلم يروا شيئا. فلما بلغ