البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٠ - و هذه ترجمته
قوله:
ملك الثلاث الناشئات عناني* * * و حللن من قلبي بكل مكان
ما لي تطاوعني البرية كلها* * * و أطيعهن و هنّ في عصياني
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى* * * و به قوين أعز من سلطاني
و مما أورد له صاحب العقد في كتابه:
تبدي الصدود و تخفى الحب عاشقة* * * فالنفس راضية و الطرف غضبان
و ذكر ابن جرير و غيره أنه كان في دار الرشيد من الجواري و الحظايا و خدمهن و خدم زوجته و أخواته أربعة آلاف جارية، و أنهن حضرن يوما بين يديه فغنته المطربات منهن فطرب جدا، و أمر بمال فنثر عليهنّ. و كان مبلغ ما حصل لكل واحدة منهن ثلاثة آلاف درهم في ذلك اليوم.
رواه ابن عساكر أيضا.
و روى أنه اشترى جارية من المدينة فأعجب بها جدا فأمر بإحضار مواليها و من يلوذ بهم ليقضى حوائجهم، فقدموا عليه بثمانين نفسا فأمر الحاجب- و هو الفضل بن الربيع- أن يتلقاهم و يكتب حوائجهم، فكان فيهم رجل قد أقام بالمدينة لأنه كان يهوى تلك الجارية، فبعثت إليه فأتى به فقال له الفضل: ما حاجتك؟ قال: حاجتي أن يجلسني أمير المؤمنين مع فلانة فأشرب ثلاثة أرطال من خمر، و تغنيني ثلاثة أصوات. فقال: أ مجنون أنت؟ فقال: لا و لكن اعرض حاجتي هذه على أمير المؤمنين. فذكر للرشيد ذلك فأمر بإحضاره و أن تجلس معه الجارية بحيث ينظر إليهما و لا يريانه فجلست على كرسي و الخدام بين يديها، و أجلس على كرسي فشرب رطلا و قال لها غنني:
خليلي عوجا بارك اللَّه فيكما* * * و إن لم تكن هند بأرضكما قصدا
و قولا لها ليس الضلال أجازنا* * * و لكننا جزنا لنلقاكم عمدا
غدا يكثر البادون منا و منكم* * * و تزداد داري من دياركم بعدا
قال: فغنته ثم استعجله الخدم فشرب رطلا آخر، و قال: غنني جعلت فداك:
تكلم منا في الوجوه عيوننا* * * فنحن سكوت و الهوى يتكلم
و نغضب أحيانا و نرضى بطرفنا* * * و ذلك فيما بيننا ليس يعلم
قال: فغنته. ثم شرب رطلا ثالثا و قال: غنني جعلني اللَّه فداك:
أحسن ما كنا تفرقنا* * * و خاننا الدهر و ما خنا
فليت ذا الدهر لنا مرة* * * عاد لنا يوما كما كنا
قال ثم قام الشاب إلى درجة هناك ثم ألقى نفسه من أعلاها على أم رأسه فمات. فقال الرشيد:
عجل الفتى، و اللَّه لو لم يعجل لوهبتها له.