البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣١ - أبو نواس الشاعر المشهور
خرطت من حبي لها خرطة* * * أفزعت منها ملك الروم
قال فقام الحائك يرقص و يصفق سائر يومه و يفرح و يقول: إنه شبهها و اللَّه بملك الروم. و من
شعره أيضا [١] أبرمنى الناس يقولون* * * بزعمهم كثرت اوزاريه
إن كنت في النار أم في جنة* * * ما ذا عليكم يا بنى الزانية
و بالجملة فقد ذكروا له أمورا كثيرة، و مجونا و أشعارا منكرة، و له في الخمريات و القاذورات و التشبب بالمردان و النسوان أشياء بشعة شنيعة، فمن الناس من يفسقه و يرميه بالفاحشة، و منهم من يرميه بالزندقة، و منهم من يقول: كان إنما يخرب على نفسه، و الأول أظهر، لما في أشعاره. فأما الزندقة فبعيدة عنه، و لكن كان فيه مجون و خلاعة كثيرة. و قد عزوا إليه في صغره و كبره أشياء منكرة اللَّه أعلم بصحتها، و العامة تنقل عنه أشياء كثيرة لا حقيقة لها. و في صحن جامع دمشق قبة يفور منها الماء يقول الدماشقة قبة أبى نواس، و هي مبنية بعد موته بأزيد من مائة و خمسين سنة، فما أدرى لأى شيء نسبت إليه فاللَّه أعلم بهذا.
و قال محمد بن أبى عمر: سمعت أبا نواس يقول: و اللَّه ما فتحت سراويلي لحرام قط. و قال له محمد الأمين بن الرشيد: أنت زنديق. فقال: يا أمير المؤمنين لست بزنديق و أنا أقول:
أصلى الصلاة الخمس في حين وقتها* * * و أشهد بالتوحيد للَّه خاضعا
و أحسن غسلي إن ركبت جنابة* * * و إن جاءني المسكين لم أك مانعا
و إني و إن حانت من الكاس دعوة* * * إلى بيعة الساقي أجبت مسارعا
و أشربها صرفا على جنب ماعز* * * و جدي كثير الشحم أصبح راضعا
و جوذاب حوّارى و لوز و سكر* * * و ما زال للخمار ذلك نافعا
و أجعل تخليط الروافض كلهم* * * لنفخة بختيشوع في النار طائعا
فقال له الأمين: ويحك! و ما الّذي ألجأك إلى نفخة بختيشوع؟ فقال: به تمت القافية. فأمر له بجائزة. و بختيشوع الّذي ذكره هو طبيب الخلفاء. و قال الجاحظ: لا أعرف في كلام الشعراء أرق و لا أحسن من قول أبى نواس حيث يقول:
أية نار قدح القادح* * * و أيّ جد بلغ المازح
للَّه در الشيب من واعظ* * * و ناصح لو خطئ الناصح
يأبى الفتى الا اتباعالهوى* * * و منهج الحق له واضح
فاسم بعينيك إلى نسوة* * * مهورهن العمل الصالح
لا يجتلى الحوراء في خدرها* * * إلا امرؤ ميزانه راجح
[١] في البيت تحريف.