البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٠ - خلافة المتوكل على اللَّه جعفر بن المعتصم
فان أمير المؤمنين بكفه* * * مدار رحى الأرزاق دائبة تجرى
فوقع له في رقعته جذبتك نفسك عن امتهانها، و دعتك إلى صونها فخذ ما طلبته هينا. و أجزل له العطاء. و من شعره قوله:-
هي المقادير تجرى في أعنتها* * * فاصبر فليس لها صبر على حال
و من شعر الواثق قوله:
تنح عن القبيح و لا ترده* * * و من أوليته حسنا فزده
ستكفى من عدوك كل كيد* * * إذا كاد العدو و لم تكده
و قال القاضي يحيى بن أكثم: ما أحسن أحد من خلفاء بنى العباس إلى آل أبى طالب ما أحسن إليهم الواثق: ما مات و فيهم فقير. و لما احتضر جعل يردد هذين البيتين:
الموت فيه جميع الخلق مشترك* * * لا سوقة منهم يبقى و لا ملك
ما ضر أهل قليل في تفاقرهم* * * و ليس يغنى عن الأملاك ما ملكوا
ثم أمر بالبسط فطويت ثم ألصق خده بالأرض و جعل يقول: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه. و قال بعضهم: لما احتضر الواثق و نحن حوله غشي عليه فقال بعضنا لبعض: انظروا هل قضى؟ قال: فدنوت من بينهم إليه لأنظر هل هدأ نفسه، فأفاق فلحظ إلى بعينه فرجعت القهقرى خوفا منه، فتعلقت قائمة سيفي بشيء فكدت أن أهلك، فما كان عن قريب حتى مات و أغلق عليه الباب الّذي هو فيه و بقي فيه وحده و اشتغلوا عن تجهيزه بالبيعة لأخيه جعفر المتوكل، و جلست أنا أحرس الباب فسمعت حركة من داخل البيت فدخلت فإذا جرذ قد أكل عينه التي لحظ إلى بها، و ما كان حولها من الخدين.
و كانت وفاته بسر من رأى التي كان يسكنها في القصر الهاروني، في يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة من هذه السنة- أعنى سنة ثنتين و ثلاثين و مائتين- عن ست و ثلاثين سنة، و قيل ثنتين و ثلاثين سنة، و كانت خلافته خمس سنين و تسعة أشهر و خمسة أيام، و قيل خمس سنين و شهران و أحد و عشرين يوما، و صلى عليه أخوه جعفر المتوكل على اللَّه و اللَّه أعلم.
خلافة المتوكل على اللَّه جعفر بن المعتصم
بويع له بالخلافة بعد أخيه الواثق وقت الزوال من يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة، و كانت الأتراك قد عزموا على تولية محمد بن الواثق فاستصغروه فتركوه و عدلوا إلى جعفر هذا، و كان عمره إذ ذاك ستا و عشرين سنة، و كان الّذي ألبسه خلعة الخلافة أحمد بن أبى دؤاد القاضي، و كان هو أول من سلم عليه بالخلافة و بايعه الخاصة و العامة، و كانوا قد اتفقوا على تسميته بالمنتصر باللَّه،