البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٠ - ذكر خلافة المعتصم باللَّه أبى إسحاق بن هارون
ثم ودعها و سار فمرضت الجارية في غيبته هذه، و مات المأمون أيضا في غيبته هذه، فلما جاء نعيه إليها تنفست الصعداء و حضرتها الوفاة و أنشأت تقول و هي في السياق:
إن الزمان سقانا من مرارته* * * بعد الحلاوة كاسات فأروانا
أبدى لنا تارة منه فأضحكنا* * * ثم انثنى تارة أخرى فأبكانا
إنا إلى اللَّه فيما لا يزال بنا* * * من القضاء و من تلوين دنيانا
دنيا تراها ترينا من تصرفها* * * ما لا يدوم مصافاة و أحزانا
و نحن فيها كأنا لا يزايلنا* * * للعيش أحيا و ما يبكون موتانا
كانت وفاة المأمون بطرسوس في يوم الخميس وقت الظهر و قيل بعد العصر، لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب من سنة ثماني عشرة و مائتين، و له من العمر نحو من ثمان و أربعين سنة، و كانت مدة خلافته عشرين سنة و أشهرا، و صلى عليه أخوه المعتصم و هو ولى العهد من بعده، و دفن بطرسوس في دار خاقان الخادم، و قيل كانت وفاته يوم الثلاثاء، و قيل يوم الأربعاء لثمان بقين من هذه السنة. و قيل إنه مات خارج طرسوس بأربع مراحل فحمل إليها فدفن بها، و قيل إنه نقل إلى أذنة في رمضان فدفن بها فاللَّه أعلم. و قد قال أبو سعيد المخزومي:-
هل رأيت النجوم أغنت عن المأمون* * * شيئا أو ملكه الماسوس
خلفوه بعرصتي طرسوس* * * مثل ما خلفوا أباه بطوس
و قد كان أوصى إلى أخيه المعتصم و كتب وصيته بحضرته و بحضرة ابنه العباس و جماعة القضاة و الأمراء و الوزراء و الكتاب. و فيها القول بخلق القرآن و لم يتب من ذلك بل مات عليه و انقطع عمله و هو على ذلك لم يرجع عنه و لم يتب منه، و أوصى أن يكبر عليه الّذي يصلى عليه خمسا، و اوصى المعتصم بتقوى اللَّه عز و جل و الرّفق بالرعية، و أوصاه أن يعتقد ما كان يعتقده اخوه المأمون في القرآن، و أن يدعو الناس إلى ذلك، و أوصاه بعبد اللَّه بن طاهر و أحمد بن إبراهيم و أحمد بن أبى داود، و قال شاوره في أمورك و لا تفارقه، و إياك و يحيى بن أكثم أن تصحبه، ثم نهاه عنه و ذمه و قال: خانني و نفر الناس عنى ففارقته غير راض عنه. ثم أوصاه بالعلويين خيرا، أن يقبل من محسنهم و يتجاوز عن مسيئهم، و أن يواصلهم بصلاتهم في كل سنة.
و قد ذكر ابن جرير للمأمون ترجمة حافلة أورد فيها أشياء كثيرة لم يذكرها ابن عساكر مع كثرة ما يورده، و فوق كل ذي علم عليم.
ذكر خلافة المعتصم باللَّه أبى إسحاق بن هارون
بويع له بالخلافة يوم مات أخوه المأمون بطرسوس يوم الخميس الثاني عشر من رجب من سنة