البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧ - ثم دخلت سنة ثمان و عشرين و مائة
[أن يعزل نصر و يكون الأمر شورى. فامتنع نصر من قبول ذلك، و لزم الجهم بن صفوان] [١] و غير قراءة سيرة الحارث على الناس في الجامع و الطرق، فاستجاب له خلق كثير، و جم غفير فعند ذلك انتدب لقتاله جماعات من الجيوش عن أمر نصر بن سيار، فقصدوه فحارب دونه أصحابه، فقتل منهم طائفة كثيرة منهم الجهم بن صفوان، طعنه رجل في فيه فقتله، و يقال بل أسر الجهم فأوقف بين يدي سلم بن أحوز فأمر بقتله، فقال: إن لي أمانا من أبيك، فقال: ما كان له أن يؤمنك، و لو فعل ما أمنتك، و لو ملأت هذه الملاءة كواكب، و أنزلت عيسى بن مريم، ما نجوت، و اللَّه و لو كنت في بطني لشققت بطني حتى أقتلك. و أمر ابن ميسر فقتله. ثم اتفق الحارث بن سريج و الكرماني على نصر و مخالفته، و الدعوة إلى الكتاب و السنة و اتباع أئمة الهدى و تحريم المنكرات إلى غير ذلك مما جاءت به الشريعة، ثم اختلفا فيما بينهما و اقتتلا قتالا شديدا، فغلب الكرماني و انهزم أصحاب الحارث. و كان راكبا على بغل فتحول إلى فرس فحرنت أن تمشى، و هرب عنه أصحابه و لم يبق معه منهم سوى مائة، فأدركه أصحاب الكرماني فقتلوه تحت شجرة زيتون، و قيل تحت شجرة عبيرا.
و ذلك يوم الأحد لست بقين من رجب من هذه السنة، و قتل معه مائة من أصحابه، و احتاط الكرماني على حواصله و أمواله، و أخذ أموال من خرج معه أيضا، و أمر بصلب الحارث بلا رأس على باب مرو، و لما بلغ نصر بن سيار مقتل الحارث قال في ذلك:
يا مدخل الذل على قومه* * * بعدا و سحقا لك من هالك
شؤمك أردى مضرا كلها* * * و غضّ من قومك بالحارك
ما كانت الأزد و أشياعها* * * تطمع في عمرو و لا مالك
و لا بنى سعد إذ ألجموا* * * كل طمرّ لونه حالك
و قد أجابه عباد [٢] بن الحارث بن سريج فيما قال:
ألا يا نصر قد برح الخفاء* * * و قد طال التمني و الرجاء
و أصبحت المزون بأرض مرو* * * تقضى في الحكومة ما تشاء
يجوز قضاؤها في كل حكم* * * على مضر و إن جار القضاء
و حمير في مجالسها قعود* * * ترقرق في رقابهم الدماء
فان مضر بذا رضيت و ذلت* * * فطال لها المذلة و الشقاء
و إن هي أعتبت فيها و إلا* * * فحل على عساكرها العفاء
و في هذه السنة بعث إبراهيم بن محمد بن على بن عبد اللَّه بن عباس أبا مسلم الخراساني إلى خراسان
[١] زيادة من المصرية.
[٢] في المصرية عتاب و في نسخة القسطنطينية غياث و صححناه من تاريخ ابن جرير الطبري ٩: ٧٤.