البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠١ - ثم دخلت سنة تسع و ثمانين و مائة
هب أن قد ملكت الأرض طرا* * * و دان لك العباد فكان ما ذا
أ ليس غدا مصيرك جوف قبر [١]* * * و يحثو عليك التراب هذا ثم هذا
قال: أجدت يا بهلول، أ فغيره؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين! من رزقه اللَّه مالا و جمالا فعف في جماله، و واسى في ماله، كتب في ديوان اللَّه من الأبرار. قال: فظن أنه يريد شيئا، فقال: إنا أمرنا بقضاء دينك. فقال: لا تفعل يا أمير المؤمنين، لا يقضى دين بدين، اردد الحق إلى أهله و اقض دين نفسك من نفسك. قال: إنا أمرنا أن يجري عليك رزق تقتات به. قال: لا تفعل يا أمير المؤمنين فإنه سبحانه لا يعطيك و ينساني. و ها أنا قد عشت عمرا لم تجر عليّ رزقا، انصرف لا حاجة لي في جرايتك.
قال: هذه ألف دينار خذها. فقال: ارددها على أصحابها فهو خير لك، و ما أصنع أنا بها؟ انصرف عني فقد آذيتني. قال: فانصرف عنه الرشيد و قد تصاغرت عنده الدنيا.
و ممن توفي فيها من الأعيان:
أبو إسحاق الفزاري
إبراهيم بن محمد بن الحارث بن إسماعيل بن خارجة، إمام أهل الشام في المغازي و غير ذلك.
أخذ عن الثوري و الأوزاعي و غيرهما، توفي في هذه السنة. و قيل قبلها.
و إبراهيم الموصلي
النديم، و هو إبراهيم بن ماهان بن بهمن أبو إسحاق، أحد الشعراء و المغنين و الندماء للرشيد و غيره، أصله من الفرس و ولد بالكوفة و صحب شبانها و أخذ عنهم الغناء، ثم سافر إلى الموصل ثم عاد إلى الكوفة فقالوا: الموصلي. ثم اتصل بالخلفاء أو لهم المهدي و حظي عند الرشيد، و كان من جملة سماره و ندمائه و مغنيه، و قد أثرى و كثر ماله جدا، حتى قيل إنه ترك أربعة و عشرين ألف ألف درهم، و كانت له طرف و حكايات غريبة، و كان مولده سنة خمس عشرة [٢] و مائة في الكوفة، و نشأ في كفالة بني تميم، فتعلم منهم و نسب إليهم، و كان فاضلا بارعا في صناعة الغناء، و كان مزوجا بأخت المنصور الملقب بزلزل، الّذي كان يضرب معه، فإذا غنى هذا و ضرب هذا اهتز المجلس. توفي في هذه السنة على الصحيح، و حكى ابن خلكان في الوفيات أنه توفي و أبو العتاهية و أبو عمرو الشيبانيّ ببغداد في يوم واحد من سنة ثلاث عشرة و مائتين. و صحح الأول. و من قوله في شعره عند احتضاره قوله:
ملّ و اللَّه طبيبي* * * من مقاساة الّذي بي
سوف أنعى عن قريب* * * لعدو و حبيب
و فيها مات جرير بن عبد الحميد [٣]، و رشد [٤] بن سعد، و عبدة بن سليمان [٥]، و عقبة بن خالد [٦]، و عمر بن أيوب العابد أحد مشايخ أحمد بن حنبل، و عيسى بن يونس [٧] في قول.
ثم دخلت سنة تسع و ثمانين و مائة
فيها رجع الرشيد من الحج و سار إلى الري فولى و عزل. و فيها رد علي بن عيسى إلى ولاية خراسان، و جاءه نواب تلك البلاد بالهدايا و التحف من سائر الأشكال و الألوان، ثم عاد إلى بغداد فأدركه عيد الأضحى بقصر اللصوص [٨] فضحى عنده، و دخل إلى بغداد لثلاث بقين من ذي الحجة، فلما اجتاز بالجسر أمر بجثة جعفر بن يحيى البرمكي فأحرقت و دفنت، و كانت مصلوبة من
[١] في صفة الصفوة: ترب بدل جوف قبر.
[٢] في الأغاني ٥/ ١٥٥ و ابن خلكان ١/ ٤٣: خمس و عشرين.
[٣] و هو جرير بن عبد الحميد الضبي أبو عبد اللَّه مات و له ثمان و سبعون سنة روى عن منصور و طبقته من الكوفيين و رحل إليه الناس لثقته و سعة علمه.
[٤] و هو رشدين المهري محدث مصر رجل دين صالح فيه ضعف. قال السيوطي في حسن المحاضرة: هو أبو الحجاج المصري من عقيل. روى عن زياد بن فائد و حميد بن هانئ و خلق.
[٥] الكلابي الكوفي، أبو محمد، روى عن عاصم الأحول و طبقته. قال فيه أحمد: ثقة و زيادة مع صلاح و شدة فقر.
[٦] عقبة بن خالد السكونيّ روى عن هشام بن عروة و طبقته.
[٧] أبو عمرو بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي. ثقة مأمون، كان بصيرا بالنحو. و كان يغزو سنة و يحج سنة.
[٨] سمي بذلك لان جيشا من المسلمين نزلوا به فسرقت دوابهم.