البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٩ - و هذه ترجمته
أيها المجمع هما لاتهم* * * أنت تقضى و لك الحمى تحم
كيف ترقيك و قد جف القلم* * * حطت الصحة منك و السقم
فقال الرشيد لبعض خدمه: ما معك؟ قال: أربعمائة دينار، فقال: ادفعها إلى هذا الأعرابي.
فلما قبضها ضرب رفيقه بيده على كتفه و قال متمثلا:
و كنت جليس قعقعاع بن عمرو* * * و لا يشقى بقعقاع جليس
فأمر الرشيد بعض الخدم أن يعطى المتمثل ما معه من الذهب فإذا معه مائتا دينار. قال أبو عبيد إن [أصل] هذا المثل أن معاوية بن أبى سفيان أهديت له هدية جامات من ذهب فرقها على جلسائه و الى جانبه قعقاع بن عمرو، و إلى جانب القعقاع أعرابى لم يفضل له منها شيء. فأطرق الأعرابي حياء فدفع إليه القعقاع الجام الّذي حصل له، فنهض الأعرابي، و هو يقول: و كنت جليس قعقاع بن عمرو إلى آخره.
و خرج الرشيد يوما من عنده زبيدة و هو يضحك فقيل له مم تضحك يا أمير المؤمنين؟ فقال:
دخلت اليوم إلى هذه المرأة- يعنى زبيدة- فأقلت عندها و بت، فما استيقظت إلا على صوت ذهب يصب، قالوا: هذه ثلاثمائة ألف دينار قدمت من مصر، فقالت زبيدة: هبها لي يا ابن عم، فقلت: هي لك، ثم ما خرجت حتى عربدت على و قالت: أي خير رأيته منك؟ و قال الرشيد مرة للمفضل الضبيّ: ما أحسن ما قيل في الذئب، و لك هذا الخاتم، و شراؤه ألف و ستمائة دينار، فأنشد قول الشاعر:
ينام بإحدى مقلتيه و ينقى* * * بأخرى الرزايا فهو يقظان نائم
فقال: ما قلت هذا إلا لتسلبنا الخاتم. ثم ألقاه إليه فبعثت زبيدة فاشترته منه بألف و ستمائة دينار، و بعثت به إلى الرشيد و قالت: إني رأيتك معجبا به. فرده إلى المفضل و الدنانير، و قال:
ما كنا لنهب شيئا و نرجع فيه.
و قال الرشيد يوما للعباس بن الأحنف: أي بيت قالت العرب أرق؟ فقال: قول جميل في بثينة:
ألا ليتني أعمى أصم تقودنى* * * بثينة لا يخفى على كلامها
فقال له الرشيد: أرق منه قولك في مثل هذا:
طاف الهوى في عباد اللَّه كلهم* * * حتى إذا مر بى من بينهم وقفا
فقال له العباس: فقولك يا أمير المؤمنين أرق من هذا كله:
أما يكفيك أنك تملكينى* * * و أن الناس كلهم عبيدي
و أنك لو قطعت يدي و رجلي* * * لقلت من الهوى أحسنت زيدي
قال: فضحك الرشيد و أعجبه ذلك. و من شعر الرشيد في ثلاث حظيات كن عنده من الخواص