البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٢ - أبو نواس الشاعر المشهور
من اتقى اللَّه فذاك الّذي* * * سيق إليه المتجر الرابح
فاغد فما في الدين أغلوطة* * * و رح لما أنت له رائح
و قد استنشده أبو عفان قصيدته التي في أولها: لا تنس ليلى و لا تنظر إلى هند. فلما فرغ منها سجد له أبو عفان، فقال له أبو نواس: و اللَّه لا أكلمك مدة. قال: فغمني ذلك، فلما أردت الانصراف قال: متى أراك؟ فقلت: أ لم تقسم؟ فقال: الدهر أقصر من أن يكون معه هجر.
و من مستجاد شعره قوله:
ألا ربّ وجه في التراب عتيق* * * و يا رب حسن في التراب رقيق
و يا رب حزم في التراب و نجدة* * * و يا رب رأى في التراب وثيق
فقل لقريب الدار إنك ظاعن* * * إلى سفر نائى المحل سحيق
أرى كل حي هالكا و ابن هالك* * * و ذا نسب في الهالكين عريق
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت* * * له عن عدو في لباس صديق
و قوله
لا تشرهن فان الذل في الشره* * * و العز في الحلم لا في الطيش و السفه
و قل لمغتبط في التيه من حمق* * * لو كنت تعلم ما في التيه لم تته
التيه مفسدة للدين منقصة* * * للعقل مهلكة للعرض فانتبه
و جلس أبو العتاهية القاسم بن إسماعيل على دكان وراق فكتب على ظهر دفتر هذه الأبيات:
أيا عجبا كيف يعصى الإله* * * أم كيف يجحده الجاحد
و في كل شيء له آية* * * تدل على أنه الواحد
ثم جاء أبو نواس فقرأها فقال: أحسن قائله و اللَّه. و اللَّه لوددت أنها لي بجميع شيء قلته، لمن هذه؟ قيل له: لأبى العتاهية، فأخذ فكتب في جانبها:
سبحان من خلق الخلق* * * من ضعف مهين
يسوقه من قرار* * * إلى قرار مكين
يخلق شيئا فشيئا* * * في الحجب دون العيون
حتى بدت حركات* * * مخلوقة في سكون
و من شعره المستجاد قوله:
انقطعت شدتي فعفت الملاهي إذ* * * رمى الشيب مفرقي بالدواهي
و نهتنى النهى فملت إلى العدل* * * و أشفقت من مقالة ناهى
أيها الغافل المقر على السهو* * * و لا عذر في المعاد لساهى